المسألة الأولى: أنه وافق ابن رشد الحفيد المالكي (ت 595 هـ) ونقل عنه جعلهم من الفرق الحادثة التي أدخلت في الشريعة من جنس ما أدخله الخوارج والمعتزلة والصوفية (( وإن كان يتفاوت نسبة ذلك الذي أدخلوه من فرقة لأخرى) يقول - رحمه الله - فيما نقل عنه ابن القيم بعد أن ذكر حديث افتراق الأمة إلى فرق كلها في النار إلا واحدة (( يعني الواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله .. وأول من غير هذا الدواء الأعظم(أي نصوص الشريعة التي شبهها بدواء عظيم وصفه طبيب ما هر ليحفظ صحة جميع الناس أو أكثرهم) هم الخوارج، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى )) [1] ولم يعترض ابن القيم على ذلك النقل سوى أن قال - مؤيدًا - (( ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين، وما نال الأمم قديمًا وحديثًا بسببه من الفساد، لاستدعى ذلك عدة أسفار والله المستعان ) ) [2] .
المسألة الثانية: أنه نقل عن إمام الشافعية في وقته أبي العباس بن سريج (ت 306 هـ) اعتبار الأشعرية واقعين في التأويلات المبتدعة - التي يجب البراءة منها -، شأنهم في ذلك شأن الفرق البدعية من المعتزلة والجهمية حيث قال (( ولا نقول بتأويل المعتزلة والأشعرية والجهمية والملاحدة والمجسمة والمشبهة والكرامية والمكيفة، بل نقبلها(أي نصوص الصفات) بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول الإيمان بها واجب، والقول بها سنة، وابتغاء تأويلها بدعة )) [3] .
المسألة الثالثة: أنه كثيرًا ما يذكر أهل الكلام المخالفين ثم يمثل لهم بالمعتزلة والأشعرية، ويذكر بعض ما خالفوا به الكتاب والسنة واتفاق الأمة من أقوال باطلة مبتدعة، كإنكار أن الروح تبقى بعد فراق البدن، والقول بأن الروح بعد الموت لا تنعم ولا تعذب بمفردها [4] علمًا أن كلامه عن التأويل المحدث المذموم، وابتداع أهلخ في كتابه (الصواعق المرسلة) وسبق نقل بعضه ونقولاته في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية .. ) المصرحة بتبديع من أنكر العلو [5] كل ذلك شامل للأشعرية لأنهم - لا سيما المتأخرين منهم - ممن ينكر العلو، ومشمولون بلقب التعطيل في هذه المسألة [6] .
(1) إعلام الموقعين .. لابن القيم / فصل دخول الكفارة يمين الطلاق 6/ 191 - 192.
(2) المصدر السابق 6/ 192.
(3) اجتماع الجيوش الإسلامية .. لابن القيم / فصل في بيان ما اجتمعت عليه الأمة من السنن، ص 173 - 174.
(4) يُنظر: الروح لابن القيم / المسألة السادسة وهي ان الروح هل تعاد الى الميت 1/ 115 وما بعدها.
(5) يُنظر: اجتماع الجيوش الإسلامية / فصل قول تابع التابعين جملة .. ، ص 134 - 135.
(6) ولهذا تناظر أحد أئمة الأشعرية المتأخرين - وهو ابن فورك - مع ابن الهيصم في مسألة العلو التي نفاها الأول وطلب من شيخه الأشعري أبي إسحاق الاسفراييني جوابًا عن بعض ما أورده عليه خصمه فقال الاسفراييني (لو كان فوق العرش للزم أن يكون جسما) فهذان إمامان أشعريان ينكران العلو، فيكونون مشمولين بلقب الجهمية والمعطلة في هذه المسألة الذين رد عليهم في كتاب (اجتماع الجيوش الإسلامية) [يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم 4/ 1287] .