فهرس الكتاب
3 -ومنهم أيضًا ابن شاهين [1] في شرح مذاهب أهل السنة حيث أورد ما يزيد على خمس عشرة رواية في ذم الجهمية، وأكثرها مصرحة بكفرهم وزندقتهم بل وتكفير الجهمية بالعموم بل وتكفير من يشك في كفرهم [2] .
لذا عدهم كثير من السلف من غير أهل القبلة، وخارجين عن الثنتين والسبعين فرقة. ومع ذلك وجد من أصحاب أحمد ومن غيرهم من لم يخرجهم من الثنتين والسبعين فرقة [3] .
وخلاصة لما سبق: يتضح من جملة النقول السابقة الآتي:
1 -أكثر ابن القيم من ذكر النقولات في تكفير الجهمية، ونسب القول بكفرهم إلى خمسمائة عالم من مختلف البلدان، وهو تكفير عام لم يستثن منه أحد، إما لأنهم يرون تكفير الجهمية بالعموم، وإما لأن الجهمية الذين عاصرهم أولئك الأئمة كانوا من الغلاة الذين لا يُشك في كفرهم.
2 -فصل ابن القيم في الحكم على الجهمية: فأما غلاتهم فصرح بكفرهم, وأما غير الغلاة فمنهم المقلد، ومنهم المنشغل عن طلب الحق مع قدرته عليه، ومنهم الذي تبين له الحق فتركه تعصبًا أو بغضًا.
3 -ميز بين الغلاة ومن دونهم بأن جعل سمة الجهمي الغالي تعطيل أسماء الرب وأوصافه وأفعاله.
المطلب الخامس:
القدرية المنكرون للعلم
وبيانه كالمطالب السابقة في ثلاثة فروع:
الفرع الأول: التعريف
القدرية هم: فرقة أنكرت القدر وزعمت أن كل عبدٍ خالق لفعله، وأن الله لم يقدر الذنوب والمعاصي، ويقولون: الأمر أنف أي مستأنف مبتدأ لم يسبقه تقدير، وأشهر من يسمون بالقدرية هم المعتزلة الذين يسمون أنفسهم أصحاب العدل والتوحيد، إذ العدل عندهم معناه أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها، وليس لله في أفعالهم صنع ولا تقدير [4] . وفرقة منهم أنكرت العلم [5] وهم المقصودون بكلامنا هنا.
(1) هو: الحافظ العالم الواعظ محدث العراق أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، ولد في صفر سنة (297 هـ) كتب الحديث بيده وهو في الثانية عشرة من عمره، وارتحل بعد الثلاثين وسمع بالشام والعراق والبصرة وفارس، صاحب مصنفات كثيرة قيل صنف 330 مصنفا منها: السنة، والتفسير، ومعجم الشيوخ، وغيرها، توفي في ذي الحجة سنة (385 هـ) [يُنظر سير أعلام النبلاء للذهبي 16/ 413 - 320)، والوافي بالوفيات للصفدي 22/ 420، والأعلام للزركلي 5/ 40] .
(2) شرح مذاهب أهل السنة، لأبي حفص عمر بن شاهين، ت عبد الله بن محمد البصيري، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة، 1416 هـ/ باب ما ذكر في الجهمية والمعتزلة وأقوالهم، ص 28 - 34.
(3) يُنظر: الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم/ فصل الطريق السادس عشر: الحكم بشهادة الفساق 1/ 466، ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية/ الوجه الثالث أن من له عناية بآثار السلف يعلم علمًا أن قول النفاة إنما حدث فيهم أثناء المائة الثانية 3/ 300 - 301.
(4) يُنظر: التعريفات للجرجاني / باب القاف: ص 253 - القدرية، الملل والنحل للشهرستاني، المعتزلة، ص 43، الموسوعة العربية العالمية لمجموعة من المؤلفين: القدرية .. /1.
(5) افترقت القدرية إلى فرقتين: الأولى: أنكرت سبق علم الله بالأشياء قبل وقوعها، الثانية: أنكرت قدرة الله وخلقه لأفعال العباد, فهي عندهم مقدورة للعبد وواقعة منه على جهة الاستقلال. وهؤلاء هم أكثر القدرية، وأما الفرقة الأولى فهم غلاة القدرية وقدماؤهم [يُنظر على سبيل المثال: طريق الهجرتين لابن القيم / فصل في الجمع بين الروايات المتقدمة (فصل فالجواب أن هاهنا مقامين) ، ص 151، فصل في بيان ما للناس في دخول الشر 1/ 243، وبدائع الفوائد لابن القيم / هل يجوز للجماعة أن يقوموا قبل رؤية الإمام .. 3/ 631] وهم المعنيون بقولنا: القدرية المنكرون للعلم.