فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 264

المطلب الأول:

زوال العقل بسكرٍ أو شدة غضب

وهذا من الموانع التي تمنع من تكفير المعين أو تبديعه، فقد يقول الإنسان كلمة كفر أو بدعةٍ في حال ذهاب عقله إما لسكر أو لشدة غضب وإغلاق، فلا يمكن في تلك الحال الحكم بموجب تلك الكلمة مادام عقله وتمييزه غير حاضرين، بحيث لو سألته بعد زوال تلك الحال عما قاله لا ستعظمه وأنكر أن يكون قاله، وقد حدث مثل هذا في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال حمزة عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات مرةٍ وهو في حالة سكر (قبل أن يحرم الخمر) قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه (( هل أنتم إلا عبيد أبي ) ) [1] فلاشك أنها كلمة كفر، لكن حمزة كان معذورًا بذهاب عقله فامتنع تكفيره.

وقد ذكر ابن القيم هذا المثال ضمن أمثلة أخرى تدل على إعذار السكران، واعتبار سكره مانعًا من ترتيب آثار كلامه وموجبه عليه، وجعل ذلك ضمن قاعدة شرعية تقول (( إن العوارض النفسية لها تأثير في القول إهدارًا واعتبارًا، وإعمالًا وإلغاءً، وهذا كعارض النسيان والخطأ والإكراه والسكر والجنون .. ولهذا يحتمل من الواحد من هؤلاء من القول ما لا يحتمل من غيره، ويعذر بما لا يعذر به غيره، لعدم تجرد القصد والإرادة، ووجود الحامل على القول ) ) [2] ثم أورد الأمثلة الدالة على أن السكر مانع من موانع اعتبار القول وترتيب حكمه عليه، وكان منها قول الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ... } [3] حيث جعل الله السكر مانعا من اعتبار قراءة السكران وذكره وصلاته، ومنها حديث الأمر باستنكاه من أقر بين يديه بالزنا [4] , حيث جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - السكر مانعًا من صحة إقراره، ثم ختم بمثال حمزة - رضي الله عنه - المشار إليه سابقًا [5] .

وتحت عنوان (( فصل طلاق السكران ) )في زاد المعاد قرر نفس المعنى، واستشهد بنفس الأدلة، وقال عن كلمة حمزة التي قالها للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو سكران (( وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرًا، ولم يؤاخذ بذلك حمزة ) ) [6]

(1) أخرجه أحمد،/مسند علي بن أبي طالب، رقم 1201، 2/ 382، والبخاري / باب شهود الملائكة بدرا رقم 3702، ومسلم /باب تحريم الخمر وبيان أنها تكون من عصير، رقم 5244.

(2) إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم / الوجه الثاني عشر أن قاعدة الشريعة أن العوارض النفسية ... ، ص 55 باختصار.

(3) النساء: 43.

(4) وهو حديث بريدة الأسلمي في قصة مجيء ماعز بن مالك الأسلمي واعترافه على نفسه بالزنى وفيه (( قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيم أطهرك؟ فقال من الزنى فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون فقال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر .. ) ) [أخرجه أحمد / حديث بريدة الأسلمي، رقم (22942) 38/ 26، ومسلم / باب من اعترف على نفسه بالزنى، رقم (4322) ص 852 واللفظ له] .

(5) يُنظر: إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم / الوجه الثاني عشر أن قاعدة الشريعة أن العوارض النفسية .. ، ص 55.

(6) زاد المعاد لابن القيم / فصل طلاق السكران 5/ 163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت