كان يقبل علانية من أظهر الإسلام، ويكل سريرته إلى الله، ويجري عليه حكم الظاهر، ولا يعاقبه بما لم يعلم من سره )) [1] والعجيب في هذه المسألة بالذات أن الله أطلعه على بواطن كثير من المنافقين وما فيها من الكفر [2] ، ولاشك أن دلالة خبر الله ليس ثمة دلالةٌ أعظم منها، وبذلك يكون كفر المنافقين الذين أطلع الله النبي - صلى الله عليه وسلم - على حقيقة حالهم يقينيًا مقطوعًا به، لثبوته بالوحي الإلهي الذي لا يتطرق إليه شك ولا ارتياب، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومع ذلك كله لم يُكلَّف النبي في الحكم عليهم إلا بظواهرهم التي يبدونها، لأن أحكام الدنيا مبنيةٌ على الظواهر والسرائر تبع لها، وأحكام الآخرة مبنية على السرائر والظواهر تبع لها، وهذا أحد الفوارق بين أحكام الدنيا وأحكام الآخرة التي نص عليها ابن القيم [3] .
ومما يدل على ذلك ما أورده ابن القيم عن الإمام أحمد في مسألة الحكم في يهودي أو نصراني أو مجوسي قال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وقال لم أنوِ الإسلام؟! له فيها روايتان فالرواية الأولى نصت على أنه يضرب عنقه، والرواية الثانية تقول يحبس إن أبى الإسلام، وكلا الروايتين متفقتان على جبره على الإسلام مادام قد ذكر الشهادتين وإن قال لم أُرد بذلك الإسلام، إنما الخلاف هل يضرب عنقه أم لا؟ وعلة ذلك - أي علة إجباره على الإسلام أنه قد أتى بصريح الإسلام ظاهرًا، والاعتبار في الإسلام إنما هو بالظاهر، هكذا علله ابن القيم - رحمه الله - [4] ، وهذا تأكيد على أن قاعدة إجراء أحكام الناس على الظاهر قاعدةٌ عامة كلية تُردُ إليها كثير من المسائل الجزئية، ولا تكون كذلك إلا لتواتر الأدلة الدالة عليها أو استفاضتها وقوة دلالتها.
الفرع الثالث: ورود أدلة كثيرة تدل على هذا الأصل:
نقل بعضها ابن القيم - رحمه الله- عن القائلين بعدم اعتبار المقاصد في العقود، ولم يعارض تلك الأدلة، ولا صحة الاستدلال بها على الحكم بالظاهر واعتباره في أكثر مسائل الدين، إنما فقط عارض اعتبار ظاهر الألفاظ في العقود دون اعتبار مقاصدها في حالة القطع بأن ظاهرها غير مراد، بمعنى مع وجود ظاهرٍ أقوى من ظاهر لفظها، وبذلك لا تخرج المسألة حتى عند القائلين باعتبار المقاصد في ألفاظ العقود عن الحكم بالظاهر [5] ، ومن تلك الأدلة التي نقلها وأيد دلالتها:
(1) زاد المعاد لابن القيم / فصل ما جاء في إنشاد الشعر لمن ستره أمره 3/ 49.
(2) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل الأحكام تجري على الظواهر 2/ 245.
(3) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل شهادة مستور الحال 2/ 245، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل إذا عرف هذا فالطرق التي تتضمن 2/ 91، ومدارج السالكين لابن القيم / فصل فإن قيل مما تقولون في صلاة من ... 1/ 529.
(4) يُنظر: بدائع الفوائد لابن القيم / هل يجوز للجماعة أن يقوموا قبل رؤية 3/ 1005.
(5) فمن أراد المزيد فليراجع: إعلام الموقعين لابن القيم / العبرة بالقصد لا بالألفاظ 4/ 533 ففيه نقاش مستفيض واستطراد رائع مفيد في بيان متى يكون اعتبار ظاهر اللفظ في العقود؟ ومتى يكون اعتبار المقاصد؟ وكل ذلك راجع إلى الحكم بالظاهر الأقوى كما بين فارجع إليه فإنه نفيس ومهم.