فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 264

المسألة الثانية: الرياء وإرادة الحياة الدنيا:

أورد ابن القيم قول الله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الْأَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [1] ثم أشار إلى الخلاف في الآية هل هي في الكفار خاصة أم في أهل القبلة من المرائين؟ وبعد أن رجح القول الثاني ذكر الإشكال الذي أورده بعضهم وهو أنه لو اعتبرنا الآية في أهل القبلة فكيف يُحمل قوله فيها {وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} فإنه يشعر بالخلود في النار، وبطلان جميع العمل، فأجاب ابن القيم على الإشكال بما خلاصته أن العبد في ذلك على حالتين: الأولى أن يكون كل إيمانه وعمله .. أراد به الدنيا وزينتها .. ففي هذه الحالة حبط كل إيمانه وعمله وصار من الكافرين. والثانية: أن يبقى له إيمان أراد به الله والدار الآخرة .. فحينئذ يحبط ما دخله الرياء ويبقى له إيمانه الذي أراد به الله ينجيه من الخلود في النار وإن دخلها .. فالإيمان إيمانان إيمان ينجي من دخول النار، وإيمان ينجي من الخلود فيها .. فإن دخل الرياء في الاثنين كفر وهلك وإن دخل في البعض وبقي له إيمان صحيح أنجاه من الخلود وإن لم ينجه من الدخول [2] . وهذا معناه أن دخول النار دخولان 1) دخول خلود 2) دخول ابتداء، فالأول لمن كان إيمانه وعمله رياءً، والثاني: لمن وقع في الرياء وبقي له إيمان صحيح منجي.

وعلى مثل ما حملت عليه هذه الآية تُحمل آيات أخرى ذكرها ابن القيم [3] كقوله تعالى {مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْأَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِى الْأَخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ} [4] ، وكقوله تعالى {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْأَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} [5] .

الفرع الثاني: مكفرات تتعلق بأعمال الجوارح: وتحت هذا الفرع عدة مسائل:

المسألة الأولى: الحكم بغير ما أنزل الله:

فهو من المكفرات العملية عند ابن القيم (( من الممتنع أن يسمي الله سبحانه الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويسمى رسول الله تارك الصلاة كافرا ولا يطلق عليهما اسم كافر ) ) [6] لكنه كفر عمل لا كفر اعتقاد كما نص عليه، وكفر العمل له تفصيل عنده، يبينه قوله (( وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان، وإلى ما

(1) هود: 15 - 16.

(2) عدة الصابرين لابن القيم / فصل إذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر .. ، ص 204، 207، وللمزيد أيضًا: الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل في الحكم بين الفريقين ص 41.

(3) يُنظر: عدة الصابرين لابن القيم / فصل إذا عرف هذا فكل من الصبر والشكر، ص 207.

(4) الشورى: 20.

(5) الإسراء: 18 - 19.

(6) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل كفر الاعتقاد وكفر العمل .. ، ص 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت