فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 264

يضاده )) [1] وكذا الحكم بغير ما أنزل الله فيه تفصيل- بنظره- حيث يرى (( يتناول الكفرين الاصغر والأكبر ) ) [2] ثم بين الحالين فقال (( فإنه إن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانًا، فهذا كفر أصغر، وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه مع تيقنه أنه حكم الله تعالى، فهذا كفر أكبر ) ) [3] ويبدو من كلامه التفريق بين الحكم بغير ما أنزل الله في واقعةٍ من الوقائع، لأنه قال (في هذه الواقعة .. ) ، وبين الحكم بغير ما أنزل الله في الأحكام العامة، التي ترجع إليها مختلف الوقائع والأحوال، كسن قانونٍ مثلًا يبيح الربا أو الزنا أو الخمر، فهذا ليس حكمًا في واقعةٍ معينة حتى نجعله من الكفر الأصغر، ونشترط له فقط أن يعتقد فاعله وجوب حكم الله واستحقاقه للعقوبة، إنما هو حكمٌ عامٌ فيه مشاركة لله في التشريع، واتخاذ الند لكتابه، الذي لا فرق عند ابن القيم بينه وبين اتخاذ الند له سبحانه وتعالى [4] لذا قصر الكفر الأصغر على الحكم في واقعة كما سبق مما يدل على اختلاف ذلك عن الحكم العام.

المسألة الثانية: إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم:

ولاشك في كون ذلك كفرًا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أطلق على من فعل ذلك بأنه قد كفر [5] ولابن القيم كلام في المسألة يُشعر بأن إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم من الكفر الأصغر، وله كلام آخر يُشعر بأنه من الكفر الأكبر، فمن الأول قوله - رحمه الله- (( وأما كفر العمل فينقسم إلى ما يضاد الإيمان وإلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم، والاستهانة بالمصحف، وقتل النبي وسبه يضاد الإيمان، وأما الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعًا ) ) [6] ثم ضرب أمثلة عليه منها: قوله - صلى الله عليه وسلم - (( من أتى كاهنًا فصدقه أو امرأةً في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد ) ) [7] ... وقوله - صلى الله عليه وسلم: (( إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما ) ) [8] ... وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) ) [9] مما يدل أن إتيان الكهان وتصديقهم عنده من الكفر الأصغر لأنه يقول (( ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي لا الاعتقادي، وهذا الكفر لا يخرجه عن الدائرة الإسلامية والملة بالكلية ) ) [10] .

(1) المصدر السابق / فصل في نوعي الكفر، ص 43.

(2) مدارج السالكين لابن القيم / فصل في أجناس ما يتاب منه ... 1/ 336.

(3) المصدر السابق 1/ 336 - 337.

(4) يُنظر الصواعق المرسلة لابن القيم 4/ 1353.

(5) كما في الحديث الذي رواه أحمد/ مسند أبي هريرة ح (9536) ، وابن ماجه / باب النهي عن إتيان الحائض ح (639) ، وأبو داوود /في الكاهن ح (3904) ولفظه عند أحمد (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم -) .

(6) الصلاة وحكم تاركها / فصل كفر الاعتقاد وكفر العمل، ص 43.

(7) سبق تخريجه في الهامش رقم 5 من هذه الصفحة.

(8) أخرجه أحمد / مسند عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما- رقم (4687) ، والبخاري / باب من كفر أخاه بغير تأويل ... رقم (6103) ، ومسلم / باب بيان حال إيمان من قال لأخيه رقم (60) عن ابن عمر واللفظ للبخاري وأحمد.

(9) أخرجه أحمد/ مسند عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه- رقم (3647) ، والبخاري / باب خوف المؤمن أن يحبط عمله رقم (48) ، ومسلم / باب بيان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - رقم (116) واللفظ للثلاثة.

(10) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم، ص 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت