فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 264

ومن الثاني قوله- رحمه الله - (( وقد نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إتيان الكهان وأخبر أن من أتى عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - ولاريب أن الإيمان بما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - وبما يجئ به هؤلاء لا يجتمعان في قلبٍ واحد ) ) [1] وإذا كانا لا يجتمعان، فما ذلك إلا لأن أحدهما يضاد الآخر ويناقضه، ولذا قال (( فإن الناس قسمان: أتباع الكهنة، وأتباع رسل الله، فلا يجتمع في العبد أن يكون من هؤلاء وهؤلاء، بل يبعد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقدر قربه من الكاهن، ويكذب الرسول بقدر تصديقه للكاهن ) ) [2] إذن كيف نجمع بين الأمرين؟؟ أن إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم عند ابن القيم على نوعين: منه ما يكون كفرًا أصغر ومنه ما يكون كفرًا أكبر، ويمكن أن نوجه النوعين بالآتي:

أولًا: إن كان إتيانهم مستلزمًا لتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - كأن يصدقهم في ادعائهم الاطلاع على علم الغيب فإن ذلك كفر أكبر لما فيه من رد وتكذيب لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن ربه عز وجل كقوله تعالى {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} [3] .

ثانيًا: وإن كان إتيانهم وتصديقهم غير مستلزم لتكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فإن ذلك كفر أصغر، وصاحبه على خطرٍ شديد، لكنه لا يخرج من الملة، كما إذا أتاهم وهو لا يعتقد اطلاعهم على علم الغيب، لكنه أخذ بقولهم واطمأن إليه ليجرب قولهم، وهو يعلم أن ما يخبرون به يتلقونه من الجن والشياطين لا أنهم يعلمون الغيب، فتصديقه لهم هنا بأخذ قولهم والاطمئنان إليه رجاء حصول شيء من النفع مع علمه أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فهذا هو الكفر الأصغر في هذا الباب ... والله أعلم.

المسألة الثالثة: أداء الجمعة أربعًا:

وفيه قولان ذكرهما ابن القيم نقلًا عن أبي عبدالله بن حامد حيث قال: (( فإن صلاها أربعًا مع اعتقاد وجوبها فإن قلنا هي ظهر مقصورة لم يكفر وإلا كفر ) ) [4] أي أنه تارك للجمعة - وإن صلاها أربعًا - على القول بأن الجمعة فريضة مستقلة، فصلاته لها أربعًا لا تجزئه ولا تخرجه عن كونه تاركًا لها وحكمه حكم تارك الصلاة عند القائلين بكفره، وأما على القول بأن الجمعة ظهر مقصورة فصلاته لها أربعًا تجزئه ولا يكون تاركًا للجمعة بل غايته أنه أتم ما هو مقصور.

المسألة الرابعة: ترك الصلاة من غير جحود:

لأن تركها جحودًا ليس من هذا الباب، بل هو كفر أكبر باتفاق أهل العلم، إنما الخلاف حول تركها كسلًا وتهاونًا هل هو كفر أكبر أم أصغر، مع الاتفاق على أن لفظ الكفر يشمل ترك الصلاة بالنص كقول النبي-

(1) زاد المعاد لابن القيم / الفصل الخامس حلوان الكاهن 5/ 585.

(2) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل وأما تسميته قرآن الشيطان 1/ 359 - 360.

(3) النمل: 65.

(4) الصلاة وحكم تاركها لابن القيم / فصل في حكم تارك الجمعة ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت