ولعل أعظم ما يدل على خطورة مسائل هذا الباب ما ورد من نصوص كثيرة في ذم الخوارج، مما لم يرد مثله أو أقل منه في حق فرق أخرى حيث ثبت في حديث أبي أمامة قوله عنهم (كلاب النار شر قتلى تحت أديم السماء، خير قتلى من قتلوه، قيل لأبي أمامة أنت سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -؟ قال: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثا حتى عد سبعًا ما حدثتكموه) [1] .
وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - - عنهم (سيخرج في آخر الزمان حداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم إن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) [2] .
وفي صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - - أنه قال (يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل .. ) [3] .
وما ذاك إلا لأن خطأهم الذي أخطأوه كان في مسائل الأسماء والأحكام التي ترتبط بها كثير من الأحكام العامة، والتي يؤدي الخطأ فيها إلى مفاسد ظاهرة لا يؤدي إليها خطأ آخر في أبواب أخرى، ولا سيما مفاسد التفرق والقتال، واستباحة الدماء والأعراض، وإلباس الأمة شيعًا، وأن يذيق بعضها بأس بعض، فكلها إنما تنتج في الغالب عن الانحراف في التكفير والتبديع والتفسيق وما سواها من مسائل الأسماء والأحكام.
ومن تلك الآثار المترتبة على الانحراف خاصة إذا كان في جانب الغلو:
أ- الوقوع في كبيرة من كبائر الذنوب:
فقد ذكر ابن القيم من الكبائر تكفير من لم يكفره الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - - [4] ، والمتأمل في النصوص الشرعية المشتملة على الوعيد لمن كفر مسلمًا .. لا يشك طرفة عين في عظم هذا الذنب، وأنه حقًا من الكبائر التي
(1) سنن الترمذي، لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي، ت محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف الرياض، ط 2 1429 هـ / باب ومن سورة آل عمران رقم (2926) ، وسنن ابن ماجه لأبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني، ت محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط 2 1429 هـ / باب في ذكر الخوارج، رقم (172) ، وحسنه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح (المكتب الإسلامي بيروت، ط 3، 1405 هـ) رقم (3554) .
(2) أخرجه البخاري (صحيح البخاري، لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري ـ ت رائد بن حبر علفة، دار طويق - الرياض، ط 2، 1432 هـ) / باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة، رقم (6418) ، ومسلم (صحيح مسلم، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري، ت أحمد زهوية وأحمد عناية، دار الكتاب العربي - بيروت ط 1، 1434 هـ) / باب التحريض على قتل الخوارج، رقم (1771) .
(3) أخرجه مسلم / باب التحريض على قتل الخوارج، رقم (1773) .
(4) يُنظر: اعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم ت أبو عبيده منصور بن حسن آل سلمان، دار ابن الجوزية، ط 1 1423 هـ/ الكبائر 6/ 577.