مرضه، أو السكران الذي لا يعلم ما يقول، أو المكره المحمول على قول مالم يرد، هذه هي الحالة من الحزن التي تكون مانعًا من تكفير المعين أو تبديعه، وليس أي حزن وإن كان شديدًا مالم يستحكم ويقهر، لأنه كالغضب منه ما تملك معه نفسك، ومنه ما لا تملك معه نفسك، كما قسمه ابن القيم في قوله: (( من الغضب ما يمكن صاحبه أن يملك نفسه عنده وهو الغضب في مبادئه، فإذا استحكم وتمكن منه لم يملك نفسه عند ذلك، وكذلك الحزن الحامل على الجزع يمكن صاحبه أن يملك نفسه في أوله، فإذا استحكم وقهر لم يملك نفسه ) ) [1] ويدل عليه أيضًا من كلام ابن القيم ما سبق نقله عنه في القاعدة الشرعية التي تنص على تأثير العوارض النفسية في القول إهدارًا واعتبارًا وإعمالًا وإلغاءًا، وقد مثل لتلك العوارض النفسية، وكان الحزن أحد تلك العوارض التي مثل بها [2] .
لأن هذه العلة وهي- انعدام القصد وعقد القلب - هي المناط لأغلب العوارض التي سبقت فالخطأ والإكراه والسكر والإغلاق بالغضب أو الفرح أو الحزن إنما كانت موانعًا تمنع من تكفير المعين أو تبديعه لعدم قصده وعقد قلبه، والله قد قال {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [3] وقال {لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [4] (( وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبره في التقربات والعبادات، فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا .... ودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر.
وتأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم) [5] ) [6] وبذا يتبين أنه لا يمكن أن يبنى الحكم على لفظٍ لا قصد معه، لأن الألفاظ إنما وضعت لتعريف ما في النفس، ولم يرتب الله الأحكام (( على مجرد ألفاظٍ مع العلم بأن المتكلم بها لم يرد معانيها ولم يحط بها علمًا، بل تجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به، وتجاوز لها عما تكلمت به مخطئة أو ناسيةً أو مكرهة أو غير عالمةٍ به إذا لم تكن مريدةً لمعنى ما تكلمت به أو قاصدةً إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم ) ) [7] .
من خلال هذ الكلام المهم لابن القيم - وهو أيضًا ظاهر عموم القرآن والسنة وقواعد الشريعة - يتبين أن كل عارضٍ ينعدم معه القصد وعقد القلب فهو - أيضًا - مانع من موانع التكفير والتبديع عند ابن القيم، وإن لم
(1) إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم / الوجه العاشر: أن الغضب مرض من الأمراض، ص 53 - 54.
(2) يُنظر: المصدر السابق/ الوجه الثاني عشر: أن قاعدة الشريعة أن العوارض النفسية، ص 55.
(3) الأحزاب: 5.
(4) البقرة: 225.
(5) أخرجه أحمد /مسند جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - رقم (14937) 23/ 171، وأبو داود، باب لحم الصيد للمحرم، رقم (1576) .
(6) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم / فصل دليل آخر على وجوب اعتبار النيات في التصرفات 4/ 499 - 500 باختصار.
(7) المصدر السابق / قاعدة شرعية هي مقدمة للفصل بين الفريقين 4/ 514 - 515.