فهرس الكتاب
يكن من تلك الموانع المنصوص عليها في المطالب السابقة فهناك مثلًا: عارض السهو والغفلة والنسيان، وهناك عارض الاندهاش الذي يغلب على العقل، وهناك عارض الذهول، وهناك عارض النوم أو الإغماء، وهناك عارض سبق اللسان من غير قصد .. إلى آخر ما هنالك من العوارض، أوصلها ابن القيم إلى عشرة عوارض (( لا يؤاخذ الله بها عبده بالتكلم في حالٍ منها لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذه به ) ) [1] وقد سبق معنا من هذه العشرة في المباحث السابقة 1) الخطأ 2) الإكراه 3) السكر 4) شدة الغضب 5) الجهل 6) التأويل 7) استحكام الفرح أو الحزن، ويضاف إليها:
8)النسيان: سبق اللسان بما لم يرده المتكلم ويدخل فيه الخطأ في اللفظ وقد سبق، والخطأ في القصد، كأن يقول كلمة قصد التلفظ بها، لكنه قصد بها معنىً غير معناها خطأً فلا يؤاخذ بمقتضى معناها الصحيح لأنه لم يقصده بل ظن أن معناها شيءٌ آخر قصده بكلامه.
9)الإغلاق: وتدخل فيه أشياء قد سبقت كشدة الغضب أو السكر، وتدخل أشياء أخرى كالجنون وزوال العقل بدواءٍ أو بنج أو برسام [2] وكالنوم والإغماء وغيرها مما ينغلق فيه باب القصد.
10)اللغو: وقد صرح القرآن بعدم المؤاخذة فيه حتى يحصل عقد القلب.
والخلاصة التي نخرج بها:
أن كل ما ينتفي به القصد وعقد القلب فلا يؤاخذ العبد به عند ابن القيم، أي لا يؤاخذ بما جرى على لسانه من كلام لا قصد معه، وإن كان يؤاخذ على تعاطي السبب المحظور إن كان هناك سبب محظور أدى إلى انتفاء القصد وعقد القلب، كالسكر الذي تعدى به صاحبه، وأما ما كان سببه غير محظور فلا مؤاخذة على صاحبه مطلقًا، بل قد يكون مأجورًا في بعض الحالات (أي مأجورًا على السبب الذي به زال عقله من غير إرادة منه ولا اختيار كالجنون، باعتباره بلاء ومرضًا يؤجر صاحبه ويكفِّرُ الله به كسائر البلايا) .
أقوال العلماء في ذلك:
يتفق رأي ابن القيم مع آراء علماء آخرين، نذكر بعضها في النقاط الآتية:
أ) في كشاف القناع عن متن الإقناع (وهو من كتب الحنابلة) تحدث عمن (( نطق بكلمة الكفر ولا يعلم معناها فلا يكفر بذلك، ولا من جرى على لسانه سبقًا من غير قصد لشدة فرح أو دهش أو غير ذلك ) ) [3] .
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم / الأشياء التي لا يؤاخذ الله المكلف بها 4/ 515.
(2) البرسام: بالكسر علة معروفة يحصل لصاحبها فيها هذيان, نتيجة ورم حار في الحجاب الذي بين الكبد والأمعاء ثم يتصل إلى الدماغ, وقيل التهاب في الغشاء المحيط بالرئه. [يُنظر: تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي/ ب رس م 16/ 48، والمعجم الوسيط، لإبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار، المكتبة الإسلامية - تركيا، 1414 هـ باب الباء 1/ 49] .
(3) كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يونس البهوتي، ت إبراهيم أحمد عبد الحميد، دار عالم الكتب - الرياض، 1423 هـ/ باب حكم المرتد 5/ 3072.