الحمد لله العليم الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .. أما بعد: فإن رأس مال المرء في دنياه وآخرته .. دينه وإيمانه، .. فهو عصمة الأمور .. وغذاء الأرواح وشفاء الصدور .. والزاد ليوم البعث والنشور، ومن خسر دينه فقد وقع في الخسران الأكبر، والكسر الذي لا يجبر .. وصدق من قال:
وكل كسر لعل الله جابره وما لكسر قناة الدين جبران
وبخسارة الدين يخسر العبد نفسه وأهله كما قال المولى جل جلاله (( الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون ) ) [1] وقال تبارك وتعالى (( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ) ) [2] ولا تكون تلك الخسارة إلا بواحد من ثلاثة: الكفر أو الفسوق أو العصيان، أو بها مجتمعة - عياذًا بالله - فهذا هو الثالوث المدمر للإيمان .. أعلاه الكفر الذي يدمر الإيمان كله، ثم البدعة التي هي أعلى درجات الفسوق والعصيان. لذا كان أعظم ما يذم به المرء الكفر (وليس فوق الكفر من خطيئة) ، ثم بعده في الذم: البدعة التي هي بريده ومفتاح الوصول إليه .. والكلام فيهما كلام في أعظم خطرين مدمرين ..
وما من عالم في الشريعة إلا وله كلام في هذين الخطرين وفي أحكام التلبس بهما أو بأحدهما وما ينتج عن ذلك من إطلاقات وأوصاف (أي أحكام التكفير والتبديع) التي أجمع أهل العلم على خطورتها وأهميتها ووجوب معرفتها .. فإن أول خلاف وقع في الأمة .. وأول تصدع أصاب بنيانها .. وأول شرخ في جدار وحدتها .. كان بسبب التنازع في مسائل الأسماء والأحكام ومنها مسائل التكفير والتبديع .. فاخترت أن أشارك بهذه الرسالة في إبراز منهج عالم محقق كبير، كتب في هذه المسائل كتابات متفرقة ومبثوثة في ثنايا كتبه .. تحتاج إلى استقراء وجمع، ثم إلى تحليل واستنباط. فكان العنوان: (منهج الإمام ابن القيم في التكفير والتبديع) .
بذل فيه الباحث ما قدر عليه من وسع وجهد .. لإبراز معالم هذا المنهج .. مستعينًا في ذلك بالله وحده، راجيًا منه التسديد والقبول. فما كان من صواب فمن الله المنان، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان.
وها أنا سأبدأ في هذه المقدمة ببيان:- أهمية البحث- أسباب اختيار الموضوع- أهداف البحث- منهج البحث- خطة البحث .. وذلك على النحو الآتي:
(1) الأنعام: 16.
(2) الزمر: 15.