فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 264

وفي موضعٍ ثالث أضاف دليلًا جديدًا وهو: قصة الرجل السكران الذي صلى بالناس في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن تحرم الخمر ثم قرأ في الصلاة: أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون [1] فلم يكفر رغم أنه قال كلامًا كفريًا [2] .

وقد سبق معنا نقل اعتذاره لبعض من صدرت منه بعض الشطحات الكفرية كقول (سبحاني) أو (( ما في الجبة إلا الله ) )بأنه قد يغفر له ويعذر لسكره وعدم تمييزه [3] وهذا يدل أن السكر لا يقتصر على سكر الخمر بل قد يزول العقل بسكرٍ معنويٍ يصل به المرء إلى ما يشبه السكر الحسي أو أشد، كسكر المحبة الذي عُذر به بعض هؤلاء حيث يقوى سلطان المحبة، ويستولي المحبوب على القلب فيغيب العقل عن مشاهدة ما سواه، فتخرج منه تلك الكلمات وقد انعدم تمييزه وذهب عقله [4] .

ومن السكر شدة الغضب التي يصل فيها المغضب إلى الإغلاق إذْ لا فرق بينه وبين السكر بجامع ذهاب العقل، وكلاهما داخلان عند ابن القيم تحت مسمى المغلوب على عقله، حيث مثل له بمن (( يفعل المحلوف عليه في حال سكر أو جنون أو زوال عقل بشرب دواء أو بنج أو غضب شديد ونحو ذلك ) ) [5] وأصرح من ذلك أنه سمى شدة الغضب سكرًا، وجعله نوعًا من أنواعه فقال: (( والسكر نوعان: سكر طرب وسكر غضب وقد يكون هذا أشد، وقد يكون الآخر أشد فإذا اشتد به الغضب حتى صار كالسكران كان أولى بعدم وقوع الطلاق منه، لأنه يعذر ما لا يعذر السكران، ويبلغ به الغضب أشد ما يبلغ به السكران ) ) [6] .

المهم أن ضابط الغضب الذي يعذر به صاحبه هو الغضب المستحكم الذي لا يملك نفسه عنده ولا يميز معه ما يقول ويفعل، ففي هذه الحال لاشك أنه نوع من السكر عند ابن القيم بل هو أولى عنده من سكر الخمر لسببين: الأول أنه أشد في بعض الأحوال من سكر الخمر، والثاني: لكون صاحبه لم يفرط ولم يكن سبب السكر مقدورًا له يمكنه فعله وتركه، بخلاف سكر الخمر الذي صاحبه مفرط يتعاطى أسبابه ويقدر على ملك نفسه باجتنابه، ومع ذلك عُذر رغم أنه غير معذور في تعاطي سببه، فلأن يعذر سكران الغضب الذي لم يفرط أولى وأحرى [7] .

(1) أخرجه الترمذي / باب ومن سورة النساء، رقم (3026) عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - (ولفظ الترمذي أنه قرأ

(( لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون ) )فأثبت لا في الأولى، بينما ابن القيم حذف لا ... ).

(2) يُنظر: إعلام الموقعين لابن القيم / فصل ولهذا لم يؤاخذنا الله باللغو 4/ 431 - 432.

(3) يُنظر: طريق الهجرتين لابن القيم / فصل في أن حقيقة الفقر توجه العبد بجميع أحواله إلى الله، ص 45 - 46.

(4) يُنظر: المصدر السابق / فصل في تفسير الفقر ودرجاته، ص 38، ومدارج السالكين لابن القيم / فصل: باب السكر قال تعالى حاكيًا عن موسى:"رب أرني أنظر إليك"3/ 314.

(5) إعلام الموقعين لابن القيم / فصل المغلوب على عقله 5/ 501.

(6) إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم / الوجه العاشر أن الغضب مرض .. ، 53.

(7) يُنظر: المصدر السابق، ص 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت