فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 264

وبهذا نصل إلى ختام ما تيسر إيراده عن ابن القيم في مسألتي الإعذار بالسكر أو شدة الغضب.

ويتلخص منهجه من خلال تقريراته في كتبه بالآتي:

1 -من زال عقله بسكر فقال كلمة كفر أو كلمة بدعةٍ فلا يكون بذلك كافرًا أو مبتدعًا.

2 -من زال عقله بغضب شديد فحكمه حكم السكران لأن السكر سكران: سكر طرب وسكر غضب.

3 -من اشتد به الغضب ولم يزل به عقله لكن حال بينه وبين كمال قصده وتصوره, ومنعه من التثبت والتروي, وأخرجه عن حال الاعتدال فالراجح عند ابن القيم أن حكمه كحكم من زال عقله [1] .

4 -العلة في إعذار السكران أو من اشتد به الغضب الإغلاق ومعناه زوال العقل أو ما يقاربه، مما يخرج العقل عن حال اعتداله ويحول بينه وبين كمال قصده وتصوره، كما في بعض حالات الغضب.

5 -العوارض النفسية لها تأثير في القول إهدارًا واعتبارًا، إعمالًا وإلغاءًا.

6 -يشمل السكر ما كان حسيًا كسكر الخمر أو معنويًا كسكر المحبة، وما كان بتفريط من السكران نفسه، أو بدون تفريط، وإن كان الأول مذمومًا بتفريطه لكنه معذور بما يجري على لسانه من كلماتٍ لم يقصدها مع إثمه على سكره باختياره، بينما الثاني لا تفريط منه ولذا كان أولى بالعذر من الأول مادام المناط متحققًا وهو الإغلاق وزوال العقل.

7 -عموم العذر بالسكر أو شدة الغضب، فلا يقتصر على النطق بكلمة الكفر بل يعم ما دونها كالنطق بالبدعة، كما يعم ألفاظ الطلاق والعتق والأيمان ونحوها، والمقصود بالإعذار هنا عدم اعتبار كلامه أو الاعتداد به وعدم ترتيب أحكامه عليه، أما سقوط الإثم والذم كلية فيختلف ما كان بسببٍ محظور وباختياره عما كان بغير اختياره.

8 -التفريق بين مسألة السكر ومسألة شدة الغضب من ناحية ورود الإجماع: ففي زوال العقل بالغضب نقل ابن القيم اتفاق الأمة على الإعذار به مطلقًا، وأما زوال العقل بسكرٍ وقع فيه السكران باختياره فمحل خلاف، والراجح عنده الإعذار وإن كان آثمًا بسكره.

أقوال العلماء في ذلك:

لو قارنا ما ذكرنا عن ابن القيم بمنهج العلماء الآخرين لوجدنا كثيرين ينصون على الإعذار بالسكر سواءً كان سكر غضب أم سكر طرب، وسواءً كان سكرًا جسمانيًا أم سكرًا روحيًا يتبين من خلال الآتي:

أ) - ينقل الإمام الذهبي - رحمه الله- بعض الشطحات المروية عن أبي يزيد البسطامي ثم يعتذر له بأنه ربما (( قالها في حال الدهشة والسكر والغيبة والمحو، فيطوى ولا يحتج بها، إذ ظاهرها إلحاد مثل(سبحاني) أو (ما في الجبة إلا الله ) ) [2] .

(1) يُنظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم / المثال السابع عشر بعد المائة: المخارج من .. 5/ 456.

(2) سير أعلام النبلاء للذهبي/أبو يزيد البسطامي 13/ 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت