وأشار إلى مثل ذلك ابن كثير وجعل حاله عند طائفة من العلماء حال اصطلام (أي فناء) وغيبة [1] أو حال سكر روحي كما نسميها.
وقبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد نقل قول من يعذر أبا يزيد لغياب عقله وزوال تمييزه [2] واعتبرها كلمات سكر تطوى ولا تروى بشرط ألا يكون سكره بسبب محظور، أما إذا كان سكره بسبب محظور فلا يكون بذلك معذورًا، ولا فرق في ذلك بين السكر الجسماني والروحاني [3] ، لكن ذلك لا يعني أنه إذا كان سكره بسببٍ محظور فإنه يُلزم بكل ما يمكن أن يتكلم به، فإن طلق وقع طلاقه، وإن قال كلمة كفرٍ كفر، لأن ابن تيمية نفسه يرى عدم وقوع طلاق السكران وإن كان بسببٍ منه، (( فإن ذنبه هو الشرب ليس ذنبه إيقاع الطلاق، والشارع لا يعاقبه على الشرب بالتزام ما يمكن أن يتكلم به، ولوكان ذلك لعاقبه بالقتل، لأن السكران قد يتكلم بالكفر، كما قد يتكلم بالطلاق ) ) [4] فعدم إعذاره هنا معناه - والله أعلم - وقوعه في الإثم، أما أقواله فلا يلزم بموجبها.
ب) - بعض العلماء يفرق بين وقوع الردة من السكران، وبين بقية تصرفاته وعقوده, فيجعل جميع التصرفات من السكران نافذة ماعدا الردة والإقرار بالحدود الخالصة لله، كما قال في الفتاوى الهندية (( واعلم بأن جميع تصرفات السكران نافذة إلا الردة، والإقرار بالحدود الخالصة لله ) ) [5] ونقل صاحب المحلى عن مالك قوله:
(( طلاق السكران ونكاحه وجميع أفعاله جائزة إلا الردة فقط، فلا يحكم في شيء من أموره بحكم المرتد ) ) [6] .
ج) - في الموسوعة الفقهية ما نصه (( اتفق الفقهاء على أن السكران غير المعتدي بسكره لا يحكم بردته إذا صدر منه ما هو مكفر، واختلفوا في السكران المتعدي بسكره: فذهب جمهور الفقهاء(المالكية والشافعية والحنابلة) إلى تكفيره إذا صدر منه ما هو مكفر ... ولأنه يصح طلاقه وسائر تصرفاته فتصح ردته، وذهب الحنفية إلى عدم تكفير السكران مطلقًا )) [7] وبهذا النص تبين الآتي:
1 -اتفاق الفقهاء على عدم كفر السكران إذا صدر منه ما هو مكفر مادام سكره بغير تعدٍ منه، فتكون هذه المسألة تابعة لمسألة الغضب الشديد الذي زال به عقل صاحبه حيث نقل فيها ابن القيم الاتفاق كما سبق، وعليه فمن زال عقله بغضب أو بسكر لم يتعد فيه فإن ذلك مانع من موانع تكفيره إجماعًا، ويقاس عليه التبديع، لأن أي عذر في قول الكفر فما دونه من باب أولى.
(1) يُنظر: البداية والنهاية لابن كثير/سنة إحدى وستين ومائتين 14/ 548.
(2) ينظر: منهاج السنة النبوية لابن تيمية/ فصل ولما قال السلف 5/ 357.
(3) يُنظر: مجموعة الرسائل لابن تيمية / رسالة شيخ الإسلام إلى العارف بالله الشيخ نصر المنبجي 1/ 176.
(4) جامع المسائل، لابن تيمية، ت محمد عزيز شمس، دار عالم الفوائد ن ط 1، 1422 هـ/ عزيز شمس، طلاق الهازل 1/ 347.
(5) الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي خيفة النعمان، لنظام الدين وجماعة من علماء الهند، دار الفكر، 1411 هـ / تصرفات السكران 5/ 499.
(6) المحلى بالآثار، لعلي بن أحمد بن حزم، ت عبد الغفار سليمان البنداري، 1422 هـ/ مسألة طلاق السكران 10/ 209.
(7) الموسوعة الفقهية الكويتية، لمجموعة من الفقهاء/ تكفير السكران 13/ 229 - 230.