فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 264

أما عدم معرفة الجاهلية على وجه الخصوص، فهو وإن كان داخلًا في مسمى الجهل الذي تحدثنا عنه سابقًا إلا أن ابن القيم أفرده أحيانًا بالذكر والإشارة والتنبيه والتحذير والأهمية، ومما ذكره في هذا الباب قوله- رحمه الله- (( فالعالمون بالله وكتابه ودينه عرفوا سبيل المؤمنين معرفة تفصيلية، وسبيل المجرمين معرفة تفصيلية، فاستبانت لهم السبيلان كما يستبين للسالك الطريق الموصل إلى مقصوده، والطريق الموصل إلى الهلكة، فهؤلاء أعلم الخلق وأنفعهم للناس وأنصحهم لهم، وهم الأدلاء الهداة، ولذلك برز الصحابة علي جميع من أتي بعدهم الى يوم القيامة ) ) [1] .

أي لأنهم نشأوا في سبيل الضلالة وعرفوها مفصلة، ثم جاءتهم الهداية التامة على يد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وعرفوها مفصلة، وهذا ما لا يمكن أن يتيسر بكامله وتمامه لغير الصحابة، وكلما نشأ في الإسلام من قلت معرفته بالجاهلية كلما اختلط السبيلان وظهرت البدع والانحرافات.

وقد أورد ابن القيم قول عمر رضي الله عنه (( إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية ) )ثم علق على ذلك بقوله (( فمن لم يعرف سبيل المجرمين، ولم تستبن له، أوشك أن يظن في بعض سبيلهم أنها من سبيل المؤمنين، كما وقع في هذه الأمة من أمور كثيرة في باب الاعتقاد والعلم والعمل، هي من سبيل المجرمين والكفار وأعداء الرسل، أدخلها من لم يعرف أنها من سبيلهم في سبيل المؤمنين، ودعا إليها وكفر من خالفها، واستحل منه ما حرمه الله ورسوله، كما وقع لأكثر أهل البدع من الجهمية والقدرية والخوارج والروافض، وأشباههم ممن ابتدع بدعة ودعا إليها وكفر من خالفها ) ) [2] .

ومما هو معلوم لدى كل العقلاء أن كل شيء إنما يظهر حسنه وتميزه بمعرفة ضده ولذا قيل: والضد يظهر حسنه الضدُ [3] ، وقيل: وبضدها تتبين الأشياء [4] ، فمن عرف الجاهلية وسبيل المجرمين حق المعرفة، ثم عرف الإسلام وسبيل المؤمنين حق المعرفة، كان من أعلم الناس بتمايز السبيلين، ومن أكثر الناس بصرًا بالآفات والعلل والشوائب، فلا تنطلي عليه بدعة أو كفر، ولا يغره تزيين باطل.

بينما من لم يعرف الجاهلية سرعان ما تتسرب إلى عقله وفكره وأعمال جوارحه كثير من رواسب الجاهلية الفكرية والقولية والعملية دون شعوره، وسرعان ما يسلك سبل الهلاك ظانًا أنها طريقة السلامة، شأنه في ذلك شأن من يولد في نعمةٍ وينشأ عليها دون أن يعرف ضدها، والآفات القاطعة عنها، فربما أرسلت البلية شباكها

(1) الفوائد لابن القيم/ فصل قاعدة جليلة في قوله تعالى:"وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ"، ص 256.

(2) المصدر السابق، ص 257.

(3) وهو شطر من بيت منسوب لعلي بن جبلة من شعراء العصر العباسي وقبله: فالوجه مثل الصبح منبلجٌ: والشعر مثل الليل مسودُ / ضدان لما استجمعا حسنا * والضد يظهر حسنه الضدُ: [يُنظر عصر الفصاحة، للأمير أبي محمد الحقاجي، دار الكتب العلمية - بيروت، 1402 هـ 1/ 22، وصبح الأعشى في صناعة الإنشا، لأحمد بن علي بن أحمد الفزاري القلقشندي، ت د/ يوسف علي طويل، دار الفكر - دمشق، ط 1، 1987 م 1/ 374، وديوان علي بن جبلة 1/ 5] ، وينسب أيضًا لدوقة المنجبي: [يُنظر شرح ديوان المتنبي، لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي، مكتبة مشكاة الإسلامية 1/ 101 ونحو إتقان 1/ 86] .

(4) شطر بيت للمتنبي يُنظر شرح ديوان المتنبي وتمامه: ونذيمهم وبهم عرفنا فضله * وبضدها تتبين الأشياء. [يُنظر: شرح ديوان المتنبي للواحدي 1/ 214. ومعنى (نذيمهم) : نعيبهم كما في المصدر المذكور 1/ 215] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت