فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 264

لذي النعمة الذي لم يعرف ضدها، ولا الآفات القاطعة عنها فاصطادته وهو لا يشعر، فأصبح على غير حاله التي كان عليها، وهذا هو المثل الذي ضربه ابن القيم لحال من لا يعرف الجاهلية والفرق بينه وبين حال الصحابة الذين تيسر لهم معرفة الجاهلية وآفاتها وشرورها، ثم معرفة الاسلام وأعلامه وخصائصه [1] .

والخلاصة في هذه النقطة: أن عدم معرفة الجاهلية باب خطير للولوج في البدع، والاغترار بكثير من الباطل، حتى يصل الأمر عند البعض إلى التلبس بالكفر والشرك- وهو لا يشعر -، ظانًا أنه الحق والهدى، ثم لا يكتفي بذلك حتى يضم إليه عدوانه على المتمسكين بالحق، العاضين على السنة بالنواجذ، فماذا بعد هاتين الفاقرتين، فالحذر الحذر من إغفال هذه المسألة، والاكتفاء بمعرفة الاسلام دون معرفة الجاهلية فيضل العبد وهو لا يدري، ويصد عن السبيل بالعدوان على أهله المحقين- وهو لا يشعر -.

وأما الخلاصة مما سبق من أسباب وجودية أو عدمية: أن الأسباب توقع صاحبها في البدعة أولًا، ثم إذا استفحلت قادت إلى الكفر- عياذًا بالله- وهي كما رتبناها: القول على الله بلا علم، الإعراض عما جاء به الرسول وعدم الاعتصام بحبل الله، سوء الفهم عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، التأويل والقياس الفاسدان، عدم التسليم للوحي، ومعارضته بالرأي، وتقديم العقل عليه، عدم الرضا بالحكم الكوني أو الديني، الجهل وعدم معرفة الجاهلية.

ويلاحظ أن بين هذه الأسباب تلازمًا وترابطًا قويًا، فالقول على الله بلا علم مثلًا يلزم منه وجود الإعراض عما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .. لأن من أعراض عما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - جهل مراد الله فقال على الله بلا علم، وهكذا إعمال التأويل والقياس الفاسدين إنما يكون عند معارضة الوحي بالرأي وتقديم العقل على النقل، مثلما حصل من إبليس .. إذن فهي أسباب مترابطة يجر بعضها بأعناق بعض .. كما يرى ذلك ابن القيم ويؤكد عليه، حيث يذكر أحد الأسباب فيصفه بأنه أصل كل بلاء، ثم يذكر سببا آخر فيصفه بنفس الوصف ... لماذا؟ لأن السببين متلازمان .. مترابطان .. ووجود أحدهما وجود للآخر.

كما يلاحظ: أن نسبة وجود كل سبب تختلف من بدعة لأخرى، فكلما خف وجود السبب خفت البدعة الناتجة عنه وكلما قوي تغلظت البدعة الناتجة عنه، ويصل السبب إلى ذروة قوته ووجوده حين يفضي بصاحبه إلى الكفر والعياذ بالله.

(1) يُنظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم / فصل إن هذا يصير كالطبيب 2/ 288. ولا يعني هذا أن من لم يعاصر الجاهلية تلك استحال عليه الوصول إلى العلم بها ومعرفة شرورها وآفاتها، بل ذلك ممكن- وإن لم يكن بدرجة من عايشها واقعًا إذ الخبر ليس كالمعاينة- لكن الدراسة لخصائص الجاهلية والقراءة الشاملة لشرورها ولآفاتها مع مقارنتها بالجاهليات المعاصرة- حيث لا يخلو زمان من وجود جاهلية في بلد أو مكان- يورث المرء ولا شك معرفة نظرية قوية يتميز بها السبيلان، غير أن الصحابة جمعوا بين المعرفة النظرية والواقعية للجاهلية وللإسلام على أكمل وجه ففاقوا بذلك غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت