فهرس الكتاب
وكتبوه ولم يقوموا بالعمل به فيصير حجة عليهم، أي أنه قصد بالحديث الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة: ما كان على صفة غير مشروعة بسبب رياء صاحبه وعجبه أو عدم عمله به .. واستدل الدارمي على لزوم هذا التفسير للعبارة بما عرف عن شعبة وغيره ممن نقل عنه ما يشبهها من حب الحديث، وما تواتر عنهم من الحرص على سماعه ونقله وكتابته ودعوة الأنام إليه ..
وكان مما قاله الدارمي مخاطبًا المريسي الذي ادعى في الكلمة دليلًا على ذم الحديث وأهله (( ويحك إنما قال القوم هذا تخوفًا على أنفسهم أن يكونوا قد أوتوا منه الكثير فلم يوفقوا لاتباعه كما يحب .. ) )وقال قبلها (( فإنما أزروا فيما حكيت عنهم بأنفسهم لا بالعلم والأحاديث .. ولو كانت هذه الروايات عنهم من سيء الأعمال كما ادعيت عليهم ما صنفوها ونقلوها إلى الأنام ولا دعوهم إلى استعمالها ) )ثم جزم بعد ذلك أنهم ما قالوا تلك الكلمات إلا (( إعظامًا للعلم وإجلالًا له لا استخفافًا به وتعريضًا لإبطاله ) )وساق روايات عدة تدل على ذلك [1] .
وهكذا فهم عامة أهل العلم من هذه الكلمات ما فهمها الدرامي ولذا أوردها الخطابي في كتابه (العزلة) تحت باب: في فساد الخاصة وما جاء في علماء السوء وذكر آفاتهم [2] فجعل كلمة شعبة ذمًا لعلماء السوء .. لا للحديث ولا لأهله الصادقين، كما حملها آخرون على عيب تكثير الروايات الموصلة إلى اختلاط الأحاديث والغفلة عن المندوبات [3]
كما نظر بعض العلماء إلى الحال الذي قيلت فيه هذه الكلمة فقد قالها في حال ضجر من طلاب الحديث الذين كانوا يكثرون على الشيخ ويلحون في طلب السماع منه حتى يضجروه، ومع ذلك يختبرونه ويطلبون زلله وخطأه فقال شعبة كلمته بيانًا لهم بأن طلبهم للحديث بهذا الحال يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة [4] ولم يفسرها أحد من العلماء المحققين بما قد يوهمه ظاهرها من ذم الحديث والتثبيط عن طلبه إلا ما
(1) يُنظر: نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله عزوجل من التوحيد، لأبي سعيد عثمان بن سعيد الدارمي، ت رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشد - الرياض، ط 1، 1998 م / الذب عن عبد الله بن عمرو بن العاص 1/ 507 - 515.
(2) يُنظر: العزلة، للإمام أبي سليمان الخطابي، ت ياسين محمد السواس، ط 1، 1407 هـ / باب في فساد الخاصة ما جاء في علماء السوء وذكر آفاتهم 1/ 227 رقم (209) .
(3) يُنظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال / 36 - باب إثم من كذب على النبي - صلى الله عليه وسلم - 1/ 195، وشرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي / إن هذا الحديث يصدكم 1/ 291 رقم (238، 239) .
(4) يُنظر: الأنوار الكاشفة في الرد على كتاب أضواء على السنة المحمدية لمحمود أبو رية: تأليف عبد الرحمن المعلمي / درجات الصحابة 1/ 307 وما بعدها. * وذكر الخطابي في كتابه (العزلة) رواية تبين أحد أسباب قول شعبة لهذه الكلمة أنه رأى رجلًا من أصحاب الحديث صلى مع الإمام وقد فاتته ركعة، فلما سلم الإمام سلم وأخذ دفاتره ولم يصل الركعة التي فاتته [يُنظر: العزلة للخطابي / باب في فساد الخاصة وما جاء في علماء السوء وذكر آفاتهم 1/ 228، رقم (210) ] .