الذي بعث الله به محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ثانيهما: معرفة ما عليه الناس من التأويلات والقياسات الفاسدة، التي أضلتهم عن ذلك الحق والهدى (وهذان هما الواجب والواقع، أو الشرع والقدر) .
ويظهر من كلام ابن القيم- رحمه الله- أن القياس الفاسد فرع من فروع التأويل، بل لعله أول بابٍ من أبواب التأويل فُتِح على الخليقة منذ استعمله اللعين إبليس، فكان أول ذنبٍ عصي الله به كما سبق عن ابن القيم.
وأما آثار وأخطار وأضرار التأويل الفاسد، وما يفتحه التأويل الفاسد- بفروعه المختلفة -، من أبوابٍ للضلال والبدعة، وللزندقة والإلحاد، عند ابن القيم- رحمه الله- فهي (( أكثر من أن تحصى، أو يبلغها وصف واصف، أو يحيط بها ذكر ذاكر، ولكنها في جملة القول أصل كل فساد وفتنة، وأساس كل ضلال وبدعة، والمولدة لكل اختلافٍ وفرقة، والناتجة أسباب كل تباين وعداوة وبغضه، ومن عظيم آفاتها ومصيبة الأمة بها، أن الأهواء المضلة والآراء المهلكة التي تتولد من قبلها، لا تزال تنمو وتتزايد على ممر الأيام، وتعاقب الأزمنة، وليست الحال في الضلالات التي حدثت من قِبَل أصول الأديان الفاسدة كذلك، فإن فساد تلك معلوم عند الأمة، وأصحابها لا يطمعون في إدخالها في دين الإسلام ) ) [1] لكن الخطر كل الخطر الذي يخشى منه على هذه الأمة، ما ينتج عن أهل التأويل المنتسبين إلى الإسلام من البدع والضلالات، لأنهم- كما قال ابن القيم - (( يدعون المسلم من باب القرآن والسنة وتعظيمهما، وأن لنصوصهما تأويلًا لا يوجد إلا عند خواص أهل العلم والتحقيق، وأن العامة في عمى عنه، فضرر هذه الفرقة على الإسلام وأهله، أعظم من ضرر أعدائه المنابذين له، ومثلهم ومثل أولئك كمثل قوم في حصن حاربهم عدو لهم، فلم يطمع في فتح حصنهم والدخول عليهم، فعمد جماعة من أهل الحصن ففتحوه له، وسلطوه على الدخول إليه، فكان مصاب أهل الحصن من قبلهم ) ) [2] .
وفي موضعٍ آخر يشير إلى مجمل ما أحدثه التأويل الفاسد، من شرخٍ في هذه الأمة، وهدم لمعاقلها، وثلمٍ في حصونها ... قائلًا (( فلا إله إلا الله والله أكبر كم هدمت بهذه المعاول [3] من معاقل الإيمان، وثلمت بها حصون حقائق السنة والقرآن، وكم أطلقت في نصوص الوحي من لسان كل جاهل أخرق ومنافق أرعن، وطرقت لأعداء الدين الطريق، وفتحت الباب لكل مبتدع وزنديق، ومن نظر في التأويلات المخالفة لحقائق النصوص رأى من ذلك ما يضحك عجبًا، ويبكي حزنًا، ويثير حمية للنصوص وغضبًا، قد أعاد عذب النصوص ملحا أجاجًا، وخرجت الناس من الهدى والعلم أفواجًا، فتحيزت كل طائفةٍ إلى طاغوتها، وتصادمت تصادم النصارى في شأن ناسوتها ولاهوتها، ثم تمالأ الكل على غزو جند الرحمن ومعاداة حزب السنة والقرآن،
(1) يُنظر: الصواعق المرسلة لابن القيم / الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل .. 1/ 349.
(2) الصواعق المرسلة / الفصل الخامس عشر في جنايات التأويل .. 1/ 350 وقد سرد أخطارًا جمة فليرجع إليه فإنه مهم.
(3) أي معاول أهل التأويل من الشبهات كقولهم: (هذه أدلة لفظية وظواهر سمعية لا تفيد العلم ولا اليقين) كما مثل بذلك ابن القيم ضمن السياق المذكور.