فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 264

لكن السؤال هنا:- هل يقصد ابن القيم كل قولٍ وفعل سواءً كان في باب العبادات أم في غيرها-؟ أم أن مفهوم البدعة المذمومة لا يشمل إلا ما يتعلق بالعبادات؟؟

الجواب عن هذا السؤال في قول الإمام نفسه- رحمه الله- (( فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والأصل في العقود والمعاملات الصحة، حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم ) )والفرق بين البابين- باب العبادات وباب العقود والمعاملات- عنده (( أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولهذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما أحله الله، والتقرب إليه بما لم يشرعه ... ) ) [1] .

إذن هنا أصلان عظيمان يقررهما ابن القيم، ونستطيع بهما ضبط مفهوم البدعة عنده - رحمه الله:

الأول: الأصل في العقود والشروط والمعاملات الإباحة، حتى يأتي الدليل بتحريمه.

الثاني: الأصل في العبادات المنع، حتى يرد الدليل بالمشروعية، ونقصد بالعبادات ما تعبدنا الله به من أمور الدين سواء كان عقيدةً أم عملًا.

ومن فقه هذين الأصلين علم مورد البدعة أين يكون؟ فمادام باب المعاملات والعقود وكذا العادات وأمور الدنيا باقيًا على أصلِ الإباحة فكل محدثٍ في هذا الباب مباح، وليس ببدعة مذمومة، وأما باب العبادات فمادام الأصل فيه المنع، فكل محدثٍ في هذا الباب بدعة مذمومة، وهذا هو عين ما كان يقوله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مفتتح خطبه (( وكل محدثةٍ بدعة وكل بدعةٍ ضلالة وكل ضلالةٍ في النار .. ) ) [2] وهو يريد بالمحدثة ما كان في أمور الدين والعبادات، لأنه قد قال - رضي الله عنه - في أمور الدنيا (( أنتم أعلم بأمر دنياكم ... ) ) [3] بينما قال في أمر الدين (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ... ) ) [4] وكلمة (أمرنا) بمعنى شرعنا وديننا، فكل ما كان على سبيل التعبد فهو داخل في ذلك، والإحداث فيه مردود .. بخلاف أمور الدنيا وأمور المعاملات والعقود والشروط.

إلا أن حكم الإباحة في أمور الدنيا وأمور المعاملات ليس على إطلاقه، وإنما هو مشروط ببقاء تلك الأمور جارية مجرى العادات وعدم ورود دليل بخصوصها نفيًا ولا إثباتًا، أما إذا جاء من الشروط والضوابط ما

(1) إعلام الموقعين لابن القيم / فصل: الأصلي في الشروط الصحة أو الفساد 3/ 107.

(2) أخرجه أحمد (مسند أحمد، للإمام أحمد بن حنبل، ت محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي - بيروت) (14984) ، ومسلم / باب تخفيف الصلاة والخطبة (867) ، والنسائي (سنن النسائي، لأحمد بن شعيب النسائي، ت محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط 2، 1429 هـ) (5892) وابن ماجه (سنن ابن ماجه، لأبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض، ط 2 1429 هـ) /باب اجتناب البدع والجدل (46) ، وصحيح الجامع للألباني (المكتب الإسلامي - بيروت، ط 2، 1406 هـ) (1353) عن جابر بن عبدالله واللفظ للنسائي.

(3) أخرجه مسلم / باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره - صلى الله عليه وسلم - من معايش الدنيا (2363) عن أنس وعائشة.

(4) أخرجه البخاري / باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود (2697) ، ومسلم / باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور (1718) عن عائشة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت