المسألة الرابعة: تبديعهم للفخر الرازي: أما موضوع أشعريته وإمامته في ذلك، وتبحره في العلوم التي صرح السلف بذمها، وابتداع المشتغلين بها كعلم الكلام والفلسفة، فلا خلاف بين الموافقين والمخالفين في ذلك [1] بل هو نفسه يعترف بخوضه في تلك العلوم التي لم تشف عليله ولم ترو غليله [2] .
ويروي عنه القطب الطوغاني أنه قال (( يا ليتني لم أشتغل بعلم الكلام وبكى ) ) [3] كما اشتهرت عنه تلك
الأبيات التي تحكم على سعيه السابق بالضلال، ومنها قوله:
نهاية إقدام العقول عقال *** وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا [4]
إذن فهو نفسه من يشهد على نفسه بالضلال فيما خاض فيه من علوم الفلسفة والكلام، بالإضافة إلى اتفاق من ترجم له بدخوله مضايق تلك العلوم. وأما من صرح بانحرافه عن السنة إلى ضدها، فمنهم الرحالة ابن جبير (ت 614 هـ) الذي نقل عنه الصفدي قوله (( ثم دخلت الري فوجدت ابن خطيبها قد التفت عن السنة، وشغلهم بكتب ابن سينا وأرسطو ) ) [5] .
ومنهم الحافظ الذهبي الذي نسب إليه كتاب (السر المكتوم في مخاطبة النجوم) وجعله دليلًا على (( ضلاله وقلة إيمانه، فإنه سحر صريح، فلعله تاب منه ) ) [6] .
وللسبب نفسه - أعني تأليفه كتاب (السر المكتوم .. ) - يكفره ابن تيمية بذلك، ويعلن ردته في فترة من حياته [7] لكنهم في الوقت نفسه يثبتون أو يثبت بعضهم ومنهم الذهبي وابن تيمية رجوعه في آخر حياته إلى مذهب السلف، وموته على طريقة حميدة [8] كما يذكرون ذلك في كلامهم.
(1) يُنظر: وفيات الاعيان لابن خلكان / فخر الدين الرازي 4/ 248، إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطي / حرف الميم 1/ 123، سير أعلام النبلاء / 261 - فخر الدين 21/ 500.
(2) وقد نقل اعترافه بذلك جمع من العلماء منهم: ابن تيمية في النبوات / 9 - فصل في أن الرسول 1/ 304 وفي مواضع أخرى عديدة من كتبه، والذهبي في سير أعلام النبلاء / 261 - فخر الدين محمد بن عمر 21/ 500 ونقلها بمعناها التاج السبكي، وهو من أعظم المناصرين له، والذابين عنه، يُنظر: طبقات الشافعية الكبرى / محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين 8/ 81.
(3) كما روى ذلك ابن الصلاح عن القطب الطوغاني عن الفخر الرازي [يُنظر: طبقات الشافعية، لأبي بكر بن أحمد بن قاضي شهبة، ت الحافظ عبد الحليم خان، دار الندوة الجديدة - بيروت، 1408 هـ / محمد بن عمر بن الحسين .. 1/ 396 رقم الترجمة (366) ، شذرات الذهب في اخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي 5/ 21] .
(4) وفيات الاعيان لابن خلكان/ فخر الرزاي 4/ 248، الوافي بالوفيات للصفدي/ ابن عمر 2/ 42.
(5) ذكره ابن سيد الناس (ت 609 هـ) عنه يُنظر: الوافي بالوفيات للصفدي/ ابن عمر 2/ 40.
(6) المغني في الضعفاء، للحافظ محمد بن أحمد الذهبي، ت نور الدين عتر، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط 1، 1391 هـ/ حرف الفاء 4889 - الفخر بن خطيب الري 2/ 508.
(7) يُنظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 1/ 431، فصل 2/ 128 وقد وصف الله تعالى نفسه بالاستواء 1/ 445، وفصل ثم قال أبو عبد الله الرازي 2/ 186.
(8) يُنظر: سير أعلام النبلاء للذهبي / 261 - فخر الدين 21/ 500، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية/ فصل القول بأن الله تعالى ليس فوق العرش 1/ 127.