ب- عدم الأخذ بالعمومات في التكفير أو التبديع دون تفصيل لما يجب تفصيله، فها هو - كما سبق- ينقل عن خمسمائة عالم إلى زمان الطبراني تكفير الجهمية بالعموم .. ومع ذلك يفصل فيجعل منهم الغلاة وغير الغلاة، ولا يكفر إلا الغلاة .. وهذا عين التحري والعدل والإنصاف .. كما أنه عين الفقه .. إذ أن أخذ العمومات دون النظر إلى ما يخصصها من مقال أو حال أو تغير واقع .. يوقع في لبس كثير لا يفهمه ولا يحذر الوقوع فيه إلا الراسخون.
ج- الحكم على الجماعة بحكم معين لا يمنعه من استثناء من لا ينطبق عليه الحكم .. تحريًا للعدل والإنصاف .. وهذا ما فعله مع الأشاعرة الذين اعتبرهم إحدى الفرق المبتدعة، ومع ذلك استثنى أبا الحسن الأشعري - وهو مؤسس الجماعة - لما نقل عنه من إثبات الصفات والرجوع إلى مذهب السلف.
د- التحري عند الحكم على الشخص المعين .. بدراسة أطوار حياته .. وهل مات على ذلك الكفر أو البدعة أم لا؟ فبعدما ذم الغزالي ونقل ذمه عن غيره .. أثبت مروره بمراحل في حياته انتهت بعودته إلى طريق أهل الحديث.
ه- لم يمنعه ذم شخص من الاعتراف ببعض فضائله .. كما ذكر عن الرازي والآمدي تقدمهم وأفضليتهم على غيرهم في العقليات.
و- عدم التسرع والمجازفة في إطلاق الأحكام بعكس ما يتهمه به المغرضون من التشدد والغلو في تكفير المخالف وتبديعه، حتى إننا نجد ابن القيم أرحم ببعض من بدعهم من بعض أبناء مذهبهم أو القريبين منهم في المذهب .. ونلمس من تكفيره وتبديعه استعمال الاحتياط التام والتأني وعدم التسرع والمجازفة .. لذا توقف عن تكفير الفخر الرازي الذي صرح ابن تيمية بوقوعه في الردة الصريحة بسبب تأليفه كتاب (السر المكتوم في عبادة النجوم) مع أنه ذكر أن الكتاب منسوب إليه .. ولعل سبب ذلك أن النسبة ليست أكيدة عند ابن القيم - كما تشعرنا بذلك عبارته - فلم يشأ ان يكفر بناء على شيء محتمل .. وهذا من لزوم الاحتياط، وكان في ذمه للمعتزلة أقل حدة من المتكلمين الأشاعرة، وتكلم عن الغزالي بما هو أخف بكثير مما تكلم عنه معاصروه ومن بعدهم - وفيهم من هو على مذهب الشافعي الذي ينتسب إليه الغزالي نفسه، ومن أعجب الأمور أن أكثر المعتزلة متفقون على تكفير النظام - وهو منهم -، وطائفة أيضًا من المعتزلة كفرت العلاف - أحد أئمتهم -، بينما ابن القيم اكتفى بتبديعهما واعتبارهما إمامين في ذلك، فكان أقل ذمًا وأرحم بهم في الحكم من أبناء مذهبهم ونحلتهم، وصدق من قال (( إن أهل السنة أرحم الناس بالناس ) )وما ذلك إلا نتيجة التزام العدل والإنصاف، وتحري الورع ولزوم الاحتياط.
أ-