الشرع والسنة، إلا ويحاول الشيطان إخراج العبد فيه إلى إحدى تينك النزغتين اللتين عبر عنهما بكلام آخر قال فيه (( أحدها: الترخص الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، والثاني: الغلو الذي يتجاوز بصاحبه حدود الأمر والنهي، فالأول: تفريط، والثاني: إفراط، وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيها مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد، وقد نهى الله عن الغلو بقوله {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ} [1] .. ) ) [2] .
ويعد ابن القيم هذا التطرف حالة من استعداد النفس وميلها إلى أحد الطرفين ثم يشرح هذا الاستعداد النفسي للميل بأنه بحسب القوة الغالبة على العبد، واستغلال الشيطان لتلك القوة، ومحاولة الانحراف بها إلى ما يناسبها من إفراطٍ أو تفريط في فصل رائع من كتابه الماتع (إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان) ، ولولا خشية الإطالة لنقلناه فليرجع إليه من أراد التوسع [3] .
وقد ضرب أمثلة كثيرة في العمليات والعلميات على ما يقع من تقصير عند طائفةٍ من الناس، ومجاوزة عند طائفةٍ أخرى. ومما ذكره:
1 -تقصير القدرية [4] ، ومجاوزة الجبرية [5] في موضوع القدر.
2 -تفريط الجهمية المعطلة [6] ، وإفراط المشبهة [7] فيما يخص الأسماء والصفات.
(1) المائدة: 77.
(2) مدارج السالكين / فصل قال: صاحب المنازل 2/ 496.
(3) يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان / فصل: ومن كيده العجيب أنه يشام النفس حتى يعلم .. 1/ 164 وما بعدها.
(4) القدرية: هي فرقة تنفي القدر السابق، وتقول لا قدر والأمر أنُف، ويزعمون أن العبد هو الذي يقدر كسبه، وليس لله في كسبه ولا في أعمال سائر الحيوانات صنع ولا تقدير، وأبرز من يعرف بهذا المذهب هم المعتزلة ولهذا يسمون القدرية. [يُنظر: الفرق بين الفرق، لعبد القاهر بن محمد البغدادي، ت محمد محيي الدين عبد الحميد / الفصل الثالث من فصول هذا الباب في بيان مقالات فرق الضلال من القدرية، ص 114] .
(5) الجبرية: هي فرقة تقول بعكس ما تقوله القدرية، فيعتقدون أن الإنسان ليس له قدرة على الفعل أصلًا، أو له قدرة غير مؤثرة، ولذا ينفون الفعل حقيقة عن العبد ويضيفونه إلى الرب تعالى، بمعنى أن العبد مجبور على فعله، ولذا سموا الجبرية. [يُنظر: الملل والنحل، لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني، ت عبد العزيز محمد الوكيل، دار الفكر - بيروت / الفصل الثاني الجبرية، ص 85] وما بعدها.
(6) سيأتي تعريف كامل بالجهمية في الفصل الرابع- إن شاء الله- ولكن التعطيل والتجهم هنا في باب الأسماء والصفات معناه نفيها وتعطيلها من حقائقها ومعانيها وهو درجات كما سيأتي عند الكلام عن الفرق والجماعات التي كفرها ابن القيم أو بدعها من الفصل الرابع كما ذكرنا.
(7) المشبهة: هم الذين شبهوا الله بخلقه إما تشبيه الذات بالذات، أو تشبيه الصفات بالصفات، وهم فرق كثيرة، وأول ظهور للتشبيه صادر عن الغلاة من الروافض وهم السبأية الذين سموا عليا إلاهًا. [يُنظر: الفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي / الفصل الثامن في بيان مذاهب المشبهة من أصناف شتى، ص 225، الملل والنحل للشهرستاني / 2 - المشبهة، 103] .