علمًا أن بدعة إنكار عذاب القبر ونعيمه لا تختص بإنكاره بالكلية، بل الإنكار أنواع.
حيث ينقل ابن القيم عن ابن تيمية خلاصة رأيه بأن إنكار عذاب القبر ونعيمه يكون:
1 -إما بإنكار وقوعهما على الأبدان مطلقًا (أي أن العذاب والنعيم لا يكونان إلا على الروح فقط) .
2 -وإما بإنكار وقوعهما على الأرواح مطلقًا (أي أنهما لا يكونان إلا على البدن فقط) .
3 -وإما بإنكار وقوعهما بالكلية، وأن البرزخ ليس فيه نعيم ولا عذاب لا على الروح ولا على البدن.
وبقي قول رابع محدث وهو: إنكار وقوعهما على الروح بمفردها، مع الاعتراف بوقوعهما إما على البدن بدون الروح، أو على البدن مع الروح [1] وكل هذه الأقوال صرح ابن تيمية بضلالها وخروجها عن أقوال أهل السنة والحديث إلى أقوال من عداهم، ووافقه ابن القيم على ذلك. ومعنى ذلك أن قول أهل السنة والحديث هو وقوع عذاب القبر ونعيمه إما على البدن وحده أو على الروح وحدها أو على الاثنين معًا.
المسألة الثانية: سب الصحابة أو واحد منهم:
قال ابن القيم (( فمن سب أصحاب رسول الله أو واحدًا منهم، أو نقصه أو طعن عليه، أو عرض بعيبهم، أو عاب أحدًا منهم، فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم بها فضيلة ) ) [2] ويكفي في تبديع من يسب الصحابة أو يطعن فيهم أن سبهم طعن في الأصل الثاني من الشهادتين، كما قرر ذلك ابن القيم بقوله (( وأما الرافضة فقدحهم وطعنهم في الأصل الثاني، وهو شهادة أن محمدًا رسول الله، وإن كانوا يظهرون موالاة أهل بيت الرسول ومحبتهم، قال طائفة من أهل العلم منهم مالك بن أنس وغيره: هؤلاء قوم أرادوا الطعن في رسول الله فلم يمكنهم ذلك، فطعنوا في الصحابة ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين ) ) [3] . ويقول في استنباطه لمعنى لطيف من سورة الفاتحة من قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ .. إلخ} : (( ووجه تضمنه إبطال قولهم(يعني الرافضة) ، أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: منعم عليهم: وهم أهل الصراط المستقيم الذين عرفوا الحق واتبعوه، ومغضوب عليهم: وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه، وضالون: وهم الذين جهلوه فأخطأوه، فكل من كان أعرف للحق وأتبع له، كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهم أولى بهذه الصفة من الروافض، فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله ورضى الله عنهم جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض )) [4] ، ثم استدل بآثار الفريقين: فالصحابة فتحوا بلاد الكفر بالسيف والسنان، وفتحوا القلوب بالقرآن، بينما الرافضة على العكس في كل زمان ومكان، وآثارهم هي
(1) يُنظر: المصدر السابق / المسألة السادسة وهو أن الروح هل تعاد ... 1/ 155.
(2) حادي الأرواح ... لابن القيم / الباب السبعون في ذكر من يستحق هذه البشارة، ص 378.
(3) الصواعق المرسلة لابن القيم / الوجه الخامس والتسعون بعد المائة 4/ 1405.
(4) مدارج السالكين لابن القيم / فصل في بيان ما تضمنها للرد على الرافضة 1/ 72.