3 -ابن الأثير - رحمه الله - (ت 630 هـ)
فقد عد ابن سينا واحدً ممن صنف في الإلحاد والرد على الشرائع [1] ونقل قولًا لأحد علماء الكرامية - ولم يتعقبه بشيء - وفيه التفريق بين ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين علم أرسطاطاليس، وكفريات ابن سينا، وفلسفة الفارابي [2] .
هذه أقوال بعض من سبقوا ابن القيم في تكفير ابن سينا وأصحابه الثلاثة عينًا أو تكفير بعضهم، ناهيك عما هو مشهور من تضليلهم وذمهم وذم ما هم عليه من المذهب المردي، ونسبتهم إلى الشك والحيرة، وإلى الغواية البينة والانحراف الظاهر، كتلك الفتوى الذائعة الشهيرة لأبي عمرو بن الصلاح - رحمه الله - (ت 643 هـ) أحد كبار فقهاء الشافعية في القرنين السادس والسابع الهجريين التي حرم فيها النظر في كتب ابن سينا، لئلا يغرر أحد بدينه، ويتعرض للفتنه العظمى، ونفى أن يكون ابن سينا من العلماء، بل اعتبره شيطانًا من شياطين الإنس، ونسب إليه الحيرة في كثير من أمره [3] .
بل قد حكى بعضهم اتفاق العلماء - ولا سيما علماء زمان ابن سينا - على كفره وكفر الفارابي، فقد نقل الحافظ ابن حجر (ت 852 هـ) عن الفقيه الشافعي ابن أبي الدم الحموي (ت 642 هـ) قوله (وقد اتفق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم ونفي المعاد الجسماني .. ) ) إلى أن قال (فقطع علماء زمانه ومن بعدهم من الأئمة ممن يعتبر قولهم أصولًا وفروعًا بكفره، وبكفر أبي نصر الفارابي من أجل اعتقاد هذه المسائل، وأنها خلاف اعتقاد المسلمين) [4] .
ومع ذلك فقد ذكر ابن خلكان (ت 681 هـ) [5] وأبو عبيد الجوزجاني [6] - كما نقل عنه ابن حجر [7] أن ابن سينا تاب قبل موته، وتصدق واغتسل، ورد كثيرًا من المظالم، وإن صح ما ذكراه فإن هذا يكون مما يؤخذ على الإمام ابن القيم أنه أطلق القول بتكفير ابن سينا، ولم يشر إلى ما أشار إليه غيره من حكاية توبته قبل موته، لكننا إن سلمنا بكون ذلك مأخذًا على ابن القيم فهو مأخذ أيضًا على من سبقه ممن أطلق القول بتكفير ابن سينا، أو أن نسلك مسلك الترجيح بأن ابن القيم ومن وافقه على إطلاق القول بتكفيره، لم يروا صحة ما نقله
(1) يُنظر: الكامل في التاريخ، لعز الدين أ[ي الحسن علي بن محمد المعروف بابن الأثير، ت عمر بن عبد السلام تدمري، مكتبة دار الكتاب العربي - بيروت، ط 1 1420/ ذكر ما فعله طغرلبك بخراسان 4/ 220.
(2) يُنظر: المصدر السابق / ذكر الفتنة بفيروز كوه من خراسان 5/ 134.
(3) يُنظر: فتاوى ابن الصلاح، لأبي عمرو عثمان بن عبدالرحمن المعروف بابن الصلاح، ت عبد المعطي أمين فلجي، مكتبة المعارف - الرياض، ط 1، 1406 هـ/ القسم الثالث يتعلق بالعقائد والأصول 1/ 136.
(4) لسان الميزان، للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، ت عادل أحمد وعلي معوش، دار الباز - مكة، ط 1، 1416 هـ / ذكر من اسمه الحسين 2/ 293.
(5) يُنظر: وفيات الأعيان / ابن سينا 2/ 160.
(6) أبو عبيد الجوزجاني: هو من أصحاب ابن سينا لازمه خمسًا وعشرين سنة، فهو أحد خواصه وتلاميذه [يُنظر: الطبقات السنية في تراجم الحنفية، لتقي الدين بن عبد القادر التميمي الغزي، ت عبد الفتاح محمد الحلو، دار الرفاعي، ط 1، 1410 هـ / 751 - الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا: الرئيس أبو علي 1/ 251] .
(7) يُنظر: لسان الميزان، للحافظ أحمد بن حجر العسقلاني / ذكر من اسمه الحسين 2/ 293.