فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 264

أ- (( فأما الفناء عن وجود السوى:

فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود )) [1] وقد سبق في النقطة السابقة بيانه، وهو ما يعرف بالاتحاد، وأما تسميته هنا فناءً فلأن العارف- بزعمهم- يفنى في الوحدة المطلقة، وينفي التكثر والتعدد عن الوجود بكل اعتبار، فلا يشهد غيرًا أصلًا بل يشهد وجود العبد عين وجود الرب" [2] ."

ب- وأما النوع الثاني من الفناء المذموم:

وهو الفناء عن شهود السوي (( فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، ويعدونه غاية، وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم ) ) [3] كما يرى ابن القيم"وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى هنا عن أبي يزيد [4] أنه قال: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرًا، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة" [5] .

ج- وهناك نوع ثالث من الفناء وهو الفناء عن إرادة السوى ولكنه محمود:

وهو كما قال ابن القيم"الفناء عن إرادة السوى، شائمًا برق الفناء عن إرادة ما سواه، سالكًا سبيل الجمع على ما يحبه ويرضاه، فانيًا بمراد محبوبه منه على مراده هو من محبوبه"إلى أن يقول- رحمه الله -"واصفًا أهله بأنهم (( فنوا بعبادة محبوبهم عن عبادة ما سواه، وبحبه وخوفه ورجائه والتوكل عليه والاستعانة به والطلب منه عن حب ما سواه وخوفه ورجائه والتوكل عليه ) ) [6] وبهذا يكون الفناء المحمود قريبًا من معنى الاتحاد المحمود، كما أن الفناء المذموم يضارع معنى الاتحاد المذموم، مع بعض الفوارق اليسيرة لا سيما في النوع الثاني لكل منهما، حيث الاتحاد بنوعه الثاني وهو الاتحاد في الإرادة متضمن للكفر الذي قال به أهل الحلول ولا بد، بينما الفناء بنوعه الثاني: وهو الفناء عن شهود السوى، فقد يفضي بصاحبه إلى الكفر إذا لم يكن له بصيرة من علم، وقد لا يفضي، ومن الكفر الذي قد يفضي إليه الفناء عن شهود السوى أن يظن صاحبه أنه قد سقط عنه الأمر والنهي لتشويشه على الفناء ونقضه له،"ومن كان هذا التوحيد والفناء غاية توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه" [7] ."

(1) مدارج السالكين لابن القيم / إذا عرفت مراد القوم بالفناء 1/ 154.

(2) (المصدر السابق 1/ 154.

(3) (المصدر السابق 1/ 154 - 155.

(4) (أبو يزيد البسطامي طيفور بن عيسى سلطان العارفين أحد الزهاد قال الذهبي بعد ذكر بعض أقواله"وله نكت مليحة وجاء عنه أشياء مشكلة لا مساغ لها الشأن في ثبوتها عنه، أو أنه قالها في حال الدهشة والسكر والغيبة والمحو فيطوى ولا يحتج بها إذ ظاهرها إلحاد مثل سبحاني، وما في الجبة إلا الله"توفي ببسطام سنة 261 هـ(ينظر: سير أعلام النبلاء للذهبي أبو يزيد 13/ 86) .

(5) (مدارج السالكين لابن القيم 1/ 155.

(6) المصدر السابق / فصل الدرجة الثالثة من درجات الفناء 1/ 167.

(7) (المصدر السابق / .. ويعرض للسالك على درب الفناء 1/ 160.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت