فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 264

فنَهى عن السجود لغير الله وقال: (( لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد ) ) [1] ... وهو من أبلغ أنواع العبودية، فإذا جوز هذا المشرك هذا النوع للبشر، فقد جوز العبودية لغير الله )) [2] وجعل منه السجود للقبر [3] بل هو أعظم.

ولذا صرح في موضعٍ آخر بأن (( السجود لقبور الأنبياء وعبادتها شرك، بل من أعظم الشرك، وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - اليهود والنصارى، حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وأصل الشرك وعبادة الأوثان من العكوف على القبور واتخاذها مساجد ) ) [4] ، بل يرى ابن القيم أن سجود المريد للشيخ شرك من الساجد والمسجود له [5] أي ما دام عالمًا بذلك وراضيًا به، ويرى أن الركوع نوع من أنواع السجود في اللغة، وعليه فسر قوله تعالى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا .. } [6] أي منحنين راكعين، إذ لا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض [7] .

إلا أن البعض قد ينحني لشيخه أو صاحبه، وقد يسجد كذلك بقصد التحية لا بقصد الذل والعبودية، فهنا يختلف الحكم، ولا يمكن الجزم في هذه الحالة بكفر الفاعل لذلك، مع الاتفاق على حرمته والنهي عنه،

لكنه لا يدخل معنا في هذه النقطة [8] ، ولذا قال ابن القيم (( وعلى هذا فانحناء المتلاقين عند السلام أحدهما لصاحبه من السجود المحرم ) ) [9] ولم يصرح بكونه شركًا أكبر، لأنه سجود تحية، لا سجود عبادة.

ومن أجل ذلك فرق العلماء بين السجود لقبر أو صنم، والسجود لبشر، فالأول لا يمكن أن يكون إلا سجود عبادة لا سجود تحية، وأما السجود للبشر فعلى قسمين: إن كان سجود عبادة فشرك مخرج من الملة، وإن كان تحية فحرام [10] .

(1) أخرجه أحمد بلفظ (لو كنت آمر أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .. ) / مسند عبد الله بن أبي أوفى رقم (19403) .

(2) زاد المعاد لابن القيم / باب هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج القمل ... 4/ 148. باختصار

(3) يُنظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم / فصل ولا تحسب أيها المنعم 1/ 311.

(4) المصدر السابق / والفلاسفة لا تختص 2/ 336.

(5) يُنظر: مدارج السالكين لابن القيم / فصل وأما الشرك الأصغر: فاليسير الرياء .. 1/ 344.

(6) البقرة: 58.

(7) يُنظر: مدارج السالكين لابن القيم / فصل وأما الشرك الأصغر .. 1/ 345.

(8) وتقسيم السجود إلى سجود عبادة وسجود تحية مجمع عليه، ولذا قال ابن حزم (ولا خلاف بين أهل الإسلام في أن سجودهم(أي الملائكة) لله تعالى سجود عبادة، ولآدم سجود تحية وإكرام) الفصل في الملل والأهواء والنحل، لأبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، ت أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية - بيروت -، ط 3، 1428 هـ / الكلام في الوجه واليد والعين والجنب 2/ 129.

(9) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم/ فصل ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة وكيده لهم أنهم قيل لهم وهم مع نبيهم ... 2/ 362.

(10) يُنظر: مجوع الفتاوى لابن تيمية / مناظرة بين الشيخ والرهبان وإقامة الحجة 1/ 372، نواقض الايمان القولية والعملية - المبحث الأول الشرك في العبادة، ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت