اعلم أن الله تعالى جعل الدنيا مزرعة للآخرة ومطية للسعادة الأبدية فهذا هو المقصود منها وما عداه فمعزول عن مقصد الشارع في الشرائع فلذلك يعتبر في نظر الشرع من الربويات ما هو عماد الأقوات وحافظ قانون الحياة ومقيم بنية الأشباح التي هي مراكب
هامش أنوار البروق
صفحة فارغة آليا
هامش إدرار الشروق
الأقوات وحافظ قانون الحياة ومقيم بنية الأشباح التي هي مراكب الأرواح إلى دار القرار ويلغى في نظره تفاوت الجودة والرداءة لأنه داعية السرف ولا يقصد إلا للترف فلو رتب الشرع عليه أحكامه لكان ذلك دليل اعتباره ومنبها على رفعة قدره ومناره وهو خلاف الوضع الشرعي والقانون الحكمي ففروع باب اتحاد الأجناس واختلافها وإن كثرت وانتشرت كلها راجعة إلى هذه القاعدة وعليها بنى تلك الفروع العلماء رضي الله عنهم فمن تلك الفروع أن السلت والشعير عند مالك جنس واحد لأنهما وإن اختلفا جودة ورداءة إلا أنهما اتفقا في المنافع والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل فيها باتفاق ومنها أن قوما ذهبوا إلى أن القمح والشعير جنس واحد وبه قال مالك والأوزاعي وحكاه مالك في الموطإ عن سعيد بن المسيب وعمدة مالك في ذلك أنه عمل سلفة بالمدينة وعمدة أصحابه فيه أولا قوله صلى الله عليه وسلم الطعام مثلا بمثل والطعام يتناول البر والشعير وثانيا أنهم عددوا كثيرا من اتفاقهما في المنافع والمتفقة المنافع لا يجوز التفاضل فيها باتفاق وذهب قوم إلى أنهما صنفان وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وعمدتهم أولا قوله صلى الله عليه وسلم لا تبيعوا البر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل فجعلهما صنفين لا سيما وفي بعض طرق حديث عبادة بن الصامت وبيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم والبر بالشعير كيف شئتم والملح بالتمر كيف شئتم يدا بيد ذكره عبد الرزاق ووكيع عن الثوري وصحح هذه الزيادة الترمذي وثانيا قياسهما من حيث إنهما شيئان اختلفت أسماؤهما ومنافعهما على الفضة والذهب وسائر الأشياء المختلفة في الاسم والمنفعة فكما وجب كون الفضة والذهب ونحوهما بذلك صنفين كذلك وجب كون البر والشعير بذلك صنفين
ومنها أن القطنية وهي العدس واللوبيا والحمص والفول والترمس والجلبان والبسلة عند مالك صنف واحد في الزكاة لأن الزكاة لا يعتبر فيها المجانسة القبلية وإنما يعتبر فيها تقارب المنفعة وإن اختلفت العين بخلاف البيع ألا ترى أن الذهب والفضة جنس واحد في الزكاة وهما جنسان في البيع وعنه في البيوع روايتان إحداهما قوله الثاني أنها صنف واحد والأخرى قوله الأول أنها أصناف وسبب الخلاف تعارض اتفاق المنافع فيها واختلاف أعيانها فمن غلب الاتفاق قال صنف واحد ومن غلب الاختلاف قال صنفان أو أصناف قال الحطاب والمشهور من مذهب مالك أنها أجناس متباينة يجوز الفضل بينهما وهو قول الإمام الأول واختاره ابن القاسم قال صاحب الطراز لاختلاف صورها وأسمائها الخاصة بها ومنافعها وعدم استحالة بعضها إلى بعض ولأن المرجع في اختلاف الأجناس إلى العرف وهي في العرف أجناس وقيل جنس واحد وهو قول الإمام الثاني في البيوع ومنها أن الأرز والدخن والذرة عند مالك صنف واحد كما في البداية ولكن المذهب أنها أجناس يجوز الفضل بينها ومنها أن التمر بأصنافه كلها جنس واحد بلا خلاف وكذلك الزيت بأصنافه كلها ومنها أن اللحوم على أحد قولي الشافعي كلها جنس واحد وقوله الآخر يوافق قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل أنها أنواع كثيرة يجوز التفاضل فيها إلا في النوع الواحد بعينه