الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب قد تقدمت حقيقة الكبر وأنه في القلب ويعضد ذلك قوله تعالى إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فجعل محله القلب والصدور وأما العجب فهو رؤية
هامش أنوار البروق
هامش إدرار الشروق
ويأنف من مساواته وهذا
وإن كان دون الأولين إلا أنه عظيم اسمه أيضا لأن الكبرياء والعظمة إنما يليقان بالملك القادر القوي المتين دون العبد العاجز الضعيف فتكبره فيه منازعة لله في صفة لا تليق إلا بجلاله وقد قال تعالى في الحديث إن من نازعه العظمة والكبرياء أهلكه ولأن التكبر على عباده لا يليق إلا به تبارك وتعالى فمن تكبر عليهم فقد جنى عليه إذ من استذل خواص غلمان الملك منازع له في بعض أمره فيستحق مقته ومن لازم هذا الكبر بنوعيه مخالفة أوامر الحق لأن المتكبر
ومنه المتجادلون في مسائل الدين بالهوى والتعصب تأبى نفسه من قبول ما سمعه من غيره وإن اتضح سبيله بل يدعوه كبره إلى المبالغة في تزييفه وإظهار إبطاله فهو على حد قوله تعالى وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد وقال ابن مسعود كفى بالرجل إثما إذا قيل له اتق الله أن يقول عليك بنفسك وقال صلى الله عليه وسلم لرجل كل بيمينك فقال متكبرا لا أستطيع فشلت يده فلم يرفعها بعد فإذن التكبر على الخلق يدعو إلى التكبر على الخالق ألا ترى أن إبليس لما تكبر على آدم وحسده بقوله أنا خير منه جره ذلك إلى التكبر على الله لمخالفته أمره فهلك هلاكا مؤبدا
ومن ثم قال عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر فقالوا يا رسول الله إن أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر بطر الحق وغمص الناس خرجه مسلم وغيره قال العلماء رضي الله عنهم بطر الحق بفتح الموحدة والمهملة رده ودفعه على قائله وغمص الناس بفتح المعجمة وسكون الميم وبالصاد المهملة احتقارهم وازدراؤهم وكذا عمصهم بالمهملة وقوله عليه السلام لن يدخل الجنة وعيد عظيم يقتضي أن الكبر من الكبائر وعدم دخول صاحبه الجنة مطلقا عند المعتزلة لأن صاحب الكبيرة عندهم مخلد في النار كالكافر وعند أهل السنة معناه لا يدخلها وقت يدخلها غير المتكبرين أي في المبدأ والنفي العام قد يراد به الخاص إذا اقتضته النصوص أو القواعد قال الأصل والكبر من أعظم ذنوب القلب نسأل الله تعالى العافية حتى قال بعض العلماء كل ذنوب القلب يكون معه الفتح إلا الكبر
ا هـ
هذا تهذيب ما في الأصل وسلمه ابن الشاط مع زيادة من الزواجر والله سبحانه وتعالى أعلم
الفرق الستون والمائتان بين قاعدة الكبر وقاعدة العجب وهو من جهتين أيضا الجهة الأولى ما في الأصل وصححه ابن الشاط من أن الكبر راجع للخلق والعباد كما علم من حقيقته المتقدمة والعجب راجع للعبادة إذ هو رؤية العبادة واستعظامها من العبد فهو معصية تكون بعد العبادة ومتعلقة بها هذا التعلق الخاص كما يتعجب العابد بعبادته
والعالم بعلمه وكل مطيع بطاعته وهو وإن كان حراما لا يفسد العبادة لأنه يقع بعدها بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها