وفي الموطإ قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكذب لامرأتي فقال صلى الله عليه وسلم لا خير في الكذب فقال يا رسول الله أفأعدها وأقول لها فقال عليه السلام لا جناح عليك فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل فإن رضى النساء إنما يحصل به ونفى الجناح على الوعد وهو يدل على أمرين أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب وثانيها أن إخلاف الوعد لا حرج فيه ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه ولما ذكره مقرونا بالكذب ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه وفي أبي داود قال عليه السلام إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه فهذه الأدلة تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله الكذب عكس الأدلة الأول واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع
هامش أنوار البروق
بد أن يكون ما يخبرها عن وقوعه في المستقبل متعلقا بها وإلا فلا حاجة لها هي فيما يتعلق بغيرها
وما معنى الحديث عندي إلا أنه صلى الله عليه وسلم منعه من أن يخبرها بخبر كذب يقتضي تغييظها به وسوغ له الوعد لأنه لا يتعين فيه الإخلاف لاحتمال الوفاء به سواء كان عازما عند الوعد على الوفاء أو على الإخلاف أو مضربا عنهما ويتخرج ذلك في قسم العزم على الإخلاف على الرأي الصحيح المنصور عندي من أن العزم على المعصية لا مؤاخذة به إذ معظم دلائل الشريعة يقتضي المنع من الإخلاف والله أعلم
قال ونفي الجناح عن الوعد وهو يدل على أمرين أحدهما أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب قلت قد تبين أنه لم يجعله قسيم الكذب من حيث هو كذب وإنما جعله قسيم الخبر عن غير المستقبل الذي هو كذب فكان قسيمه من جهة كونه مستقبلا وذلك غير مستقبل أو من جهة كونه
هامش إدرار الشروق
إذا اؤتمن خان وإذا حدث كذب وإذا وعد أخلف فذكره في سياق الذم دليل على التحريم وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال وأي المؤمن واجب أي وعده واجب الوفاء به فلما كان ظاهر القسم الأول معارضا لظاهر القسم الثاني حين صار بحيث لو أخذ به وقيل بالفرق بينهما وأن الوعد لا يدخله الكذب لزم مخالفة ظاهر القسم الثاني بل
وقوله تعالى وعدكم وعد الحق وصدق الله وعده الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء هل وجدتم ما وعد ربكم حقا إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دخول الصدق في وعد الله تعالى ووعيده والأصل في الاستعمال الحقيقة وكان ظاهر الثاني كذلك معارضا لظاهر الأول حتى صار بحيث لو أخذ به وقيل بعدم الفرق بينهما وأن الوعد يدخله الكذب لزم مخالفة ظاهر الأول وتعين الجمع بين هذه الظواهر المتعارضة اختلف الفقهاء فيما يقرب أن يؤخذ به منهما وما يؤول على قولين