* عن أرطأة قال: كان ضمرة - بن حبيب - إذا قام إلى الصلاة؛ قلت: هذا أزهد الناس في الدنيا؛ فإذا عمل للدنيا، قلت: هذا أرغب الناس في الدنيا.
* عن ابن عمر، أنه سمع رجلًا يقول: أين الزاهدون في الدنيا، الراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكر، وعمر؛ فقال: عن هؤلاء تسأل؟.
* عن عمرو بن قيس قال: قيل لعلي: يا أمير المؤمنين، لم ترقع قميصك؟ قال: يخشع القلب، ويقتدي به المؤمن.
* عن أبي سعيد الأزدي، وكان إماما من أئمة الأزد؛ قال: رأيت عليًا أتى السوق، وقال: من عنده قميص صالح بثلاثة دراهم؟ فقال رجل: عندي؛ فجاء به، فأعجبه، قال: لعله خير من ذلك؟ قال: لا، ذاك ثمنه؛ قال: فرأيت عليا يقرض رباط الدراهم من ثوبه، فأعطاه، فلبسه؛ فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه، فأمر به فقطع ما فضل عن أطراف أصابعه.
* عن علي بن الأرقم عن أبيه، قال: رأيت عليًا وهو يبيع سيفًا له في السوق، ويقول: من يشتري مني هذا السيف؟ فوالذي فلق الحبة، لطالما كشفت به الكرب عن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولو كان عندي ثمن إزار، ما بعته.
* عن علي بن أبي طالب: أنه أتى بفالوذج، فوضع قدامه بين يديه؛ فقال: إنك طيب الريح، حسن اللون، طيب الطعم؛ لكن أكره أن أعود نفسي مالم تعتده.
* عن الأعمش قال: سمعتهم يذكرون: أن حذيفة قال لسلمان رضي الله تعالى عنهما: يا أبا عبد الله، ألا أبني لك بيتًا؟ قال: ـ فكره ذلك ـ؛ قال: رويدك، حتى أخبرك: أني أبني لك بيتًا: إذا اضطجعت فيه رأسك من هذا الجانب، ورجلاك من الجانب الآخر؛ وإذا قمت: أصاب رأسك؛ قال سلمان: كأنك في نفسي.
* عن عمير بن سعد الأنصاري قال: بعثه عمر بن الخطاب عاملًا على حمص، فمكث حولًا لا يأتيه خبره، فقال عمر لكاتبه: أكتب إلى عمير، فو الله ما أراه إلا قد خاننا: إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل بما جبيت من فيء المسلمين حين تنظر في كتابي هذا؛ فأخذ عمير جرابه، فجعل فيه زاده وقصعته، وعلق إداوته وأخذ عنزته، ثم أقبل يمشي من حمص حتى دخل المدينة، قال: فقدم، وقد شحب لونه، واغبر وجهه، وطالت شعرته، فدخل على عمر وقال: السلام عليك يا أمير الله وبركاته، فقال عمر: ما شأنك؟ فقال عمير: ما ترى من شأني؟ ألست تراني صحيح البدن، طاهر الدم، معي الدنيا أجرها بقرنها، قال: وما معك؟ ـ فظن عمر رضي الله عنه أنه قد جاء بمال ـ فقال: معي جرابي أجعل فيه زادي وقصعتي، آكل فيها، وأغسل فيها رأسي وثيابي، وإداوتي، أحمل فيها وضوئي وشرابي، وعنزتي، أتوكأ عليها وأجاهد بها عدوا إن عرض، فو الله ما الدنيا إلا تبع لمتاعي؛ قال عمر: فجئت تمشي؟ قال: نعم، قال: أما كان لك أحد يتبرع لك بدابة تركبها؟ قال: ما فعلوا، وما سألتهم ذلك، فقال عمر: بئس المسلمون خرجت من عندهم، فقال له عمير: اتق الله يا عمر، قد نهاك الله عن الغيبة، وقد رأيتهم يصلون صلاة الغداة، قال عمر: فأين بعثتك؟ وأي شيء صنعت؟ قال: وما سؤالك يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: سبحان الله، فقال عمير: أما لولا أني أخشى أن أغمك ما أخبرتك، بعثتني حتى أتيت البلد، فجمعت صلحاء أهلها، فوليتهم جباية فيئهم، حتى إذا جمعوه وضعته مواضعه، ولو نالك منه شيء لأتيتك به، قال: فما جئتنا بشيء؟ قال: لا، قال جددوا لعمير عهدًا، قال: إن ذلك لشيء لا عملت لك، ولا لأحد بعدك، والله ما سلمت بل لم أسلم، لقد قلت لنصراني: أي أخزاك الله، فهذا ما عرضتني له يا عمر، وإن أشقى أيامي يوم خلفت معك يا عمر، فاستأذنه، فأذن له، فرجع إلى منزله؛ قال: وبينه وبين المدينة أميال، فقال عمر حين انصرف عمير: ما أراه إلا قد خاننا، فبعث رجلًا يقال له الحارث، وأعطاه مائة دينار، فقال له: انطلق إلى عمير حتى تنزل به كأنك ضيف، فإن رأيت أثر شيء فأقبل، وإن رأيت حالة شديدة فادفع إليه هذه المائة الدينار، فانطلق الحارث، فإذا هو بعمير جالس يفلي قميصه إلى جانب الحائط، فسلم عليه الرجل، فقال له عمير: انزل رحمك الله، فنزل، ثم سأله فقال: من أين جئت؟ قال: من المدينة، قال: فكيف تركت أمير المؤمنين؟ قال: صالحًا، قال فكيف تركت المسلمين؟ قال: صالحين، قال: أليس يقيم الحدود؟ قال: بلى، ضرب ابنا له أتى فاحشة فمات من ضربه، فقال عمير: اللهم أعن عمر، فإني لا أعلمه إلا شديدا حبه لك، قال: فنزل به ثلاثة أيام، وليس لهم إلا قرصة من شعير كانوا يخصونه بها ويطوون، حتى أتاهم الجهد، فقال له عمير: إنك قد أجعتنا، فإن رأيت أن تتحول عنا فافعل، قال: فأخرج الدنانير فدفعها إليه، فقال: بعث بها إليك أمير المؤمنين، فاستعن بها، قال: فصاح، وقال: لا حاجة لي فيها، ردها، فقالت له امرأته: إن احتجت إليها، وإلا فضعها مواضعها، فقال عمير: والله مالي شيء أجعلها فيه، فشقت امرأته أسفل درعها، فأعطته خرقة، فجعلها فيها، ثم خرج فقسمها بين أبناء الشهداء والفقراء، ثم رجع والرسول يظن أنه يعطيه منها شيئًا، فقال له عمير: اقرأ مني أمير المؤمنين السلام، فرجع الحارث إلى عمر، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت يا أمير المؤمنين حالًا شديدًا، قال: فما صنع بالدنانير؟ قال: لا أدري، قال فكتب إليه عمر، إذا جاءك كتابي هذا فلا تضعه من يدك حتى تقبل، فأقبل إلى عمر رضي الله تعالى عنه فدخل عليه، فقال له عمر: ما صنعت بالدنانير؟ قال: صنعت ما صنعت، وما سؤالك عنها؟ قال: أنشد عليك لتخبرني ما صنعت بها، قال: قدمتها لنفسي، قال: رحمك الله، فأمر له بوسق من طعام وثوبين، فقال: أما الطعام، فلا حاجة لي فيه، قد تركت في المنزل صاعين من شعير، إلى أن آكل ذلك قد جاء الله تعالى بالرزق، ولم يأخذ الطعام، وأما الثوبان فقال: إن أم فلان عارية فأخذهما ورجع إلى منزله، فلم يلبث أن هلك رحمه الله، فبلغ عمر ذلك فشق عليه، وترحم عليه، فخرج يمشي ومعه المشاؤن إلى بقيع الغرقد، فقال لأصحابه: ليتمن كل رجل منكم أمنية، فقال رجل: وددت يا أمير المؤمنين أن عندي مالا، فأعتق لوجه الله عز وجل كذا وكذا، وقال آخر: وددت يا أمير المؤمنين أن عندي مالًا، فأنفق في سبيل الله، وقال آخر: وددت لو أن لي قوة، فامتح بدلو زمزم لحجاج بيت الله، فقال عمر: وددت لو أن لي رجلًا مثل عمير بن سعد أستعين به في أعمال المسلمين.
* عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: دخل عمر بن الخطاب على أبي عبيدة بن الجراح، فإذا هو مضطجع على طنفسة رحله، متوسدًا الحقيبة؛ فقال له عمر: ألا تتخذ ما اتخذ أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين: هذا يبلغني المقيل. وقال معمر في حديثه لما قدم عمر الشام، تلقاه الناس وعظماء أهل الأرض؛ فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة؛ قالوا: الآن يأتيك؛ فلما أتاه نزل، فأعتنقه، ثم دخل عليه بيته، فلم ير في بيته، إلا سيفه، وترسه، ورحله.
(1/ 101ـ102)
* عن ابن سيرين قال: إن حذيفة رضي الله تعالى عنه: لما قدم المدائن، قدم على حمار، على إكاف، وبيده رغيف، وعرق؛ وهو يأكل على الحمار.
* عن الحسن: أن عمر - رضي الله عنه - قال: والله، إني لو شئت، لكنت من ألينكم لباسًا، وأطيبكم طعامًا، وأرقكم عيشًا؛ إني والله، ما أجهل عن كراكر، وأسنمة، وعن صلاء، وصناب، وصلايق؛ ولكني سمعت الله عز وجل غير قومًا بأمر فعلوه، فقال: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الاحقاف: 20] الآية.
* عن ثابت: أن أبا ذر مر بأبي الدرداء رضي الله عنهما، وهو يبني بيتا له؛ فقال: لقد حملت الصخر على عواتق الرجال؛ فقال: إنما هو بيت أبنيه؛ فقال له أبو ذر رضي الله تعالى عنه: مثل ذلك؛ فقال: يا أخي، لعلك وجدت علي في نفسك من ذلك؛ قال: لو مررت بك وأنت في عذرة أهلك، كان أحب إلي مما رأيتك فيه.
* عن عبد الله بن خراش قال: رأيت أبا ذر رضي الله تعالى عنه بالربذة، في ظلة له سوداء، وتحته امرأة له سحماء، وهو جالس على قطعة جوالق؛ فقيل له: إنك امرؤ ما يبقى لك ولد؛ فقال: الحمد لله، الذي يأخذهم في دار الفناء، ويدخرهم في دار البقاء؛ قالوا: يا أبا ذر، لو اتخذت امرأة غير هذه؛ قال: لأن أتزوج امرأة تضعني، أحب إلي من امرأة ترفعني؛ فقالوا له: لو اتخذت بساطًا ألين من هذا؛ قال: اللهم غفرًا، خذ مما خولت ما بدا لك.
* عن أبي أسماء الرحبي، أنه دخل على أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وهو بالربذة، وعنده امرأة له سوداء شعثة، ليس عليها أثر المجاسد والخلوق؛ قال: فقال: ألا تنظرون إلى ما تأمرني به هذه السوداء؟ تأمرني أن آتي العراق، فإذا أتيت العراق، مالوا علي بدنياهم؛ وإن خليلي عهد إلي: أن دون جسر جهنم طريقًا ذا دحض ومزلة، وإنا إن نأتي عليه وفي أحمالنا اقتدار؛ أحرى أن ننجوا، من أن نأتي عليه ونحن مواقير.
* عن نوف البكالي قال: رأيت علي بن أبي طالب خرج، فنظر إلى النجوم؛ فقال: يا نوف، أراقد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين؛ فقال: يا نوف، طوبى للزاهدين في الدنيا، الراغبين في الآخرة؛ أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطًا، وترابها فراشًا، وماءها طيبًا، والقرآن والدعاء دثارًا وشعارًا؛ قرضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام؛ يا نوف، إن الله تعالى أوحى إلى عيسى: أن مر بني إسرائيل، أن لا يدخلوا بيتًا من بيوتي، إلا بقلوب طاهرة، وأبصار خاشعة، وأيد نقية؛ فإني لا أستجيب لأحد منهم، ولأحد من خلقي عنده مظلمة؛ يا نوف، لا تكن شاعرًا، ولا عريفًا، ولا شرطيًا، ولا جابيًا، ولا عشارًا؛ فإن داود عليه السلام، قام في ساعة من الليل؛ فقال: إنها ساعة، لا يدعو عبد إلا أستجيب له فيها، إلا أن يكون: عريفًا، أو شرطيًا، أو جابيًا، أو عشارًا، أو صاحب عرطبة: وهو الطنبور، أو صاحب كوبة: وهو الطبل.
* عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة، أنه نزل به رجل من العرب، فأكرم عامر مثواه، وكلم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فجاءه الرجل، فقال: إني استقطعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واديًا، ما في العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة، تكون لك، ولعقبك من بعدك؛ قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك، نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء:1] .
* عن الأعمش قال: كان علي - رضي الله عنه: يغدي، ويعشي؛ ويأكل هو من شيء يجيئه من المدينة.
* عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالخورنق، وهو يرعد تحت سمل قطيفة؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؛ فقال: والله، ما أرزأكم من مالكم شيئًا، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي ـ أو قال: من المدينة ـ.
* عن أبي بكر بن المنكدر قال: بعث حبيب بن مسلمة ـ وهو أمير الشام ـ إلى أبي ذر بثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك؛ فقال أبو ذر: ارجع بها إليه، أما وجد أحدا أغر بالله منا؛ مالنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها؛ ثم إني لأتخوف الفضل.
* عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قيل له: ألا تتخذ ضيعة، كما اتخذ فلان وفلان؛ قال: وما أصنع بأن أكون أميرًا؟ وإنما يكفيني كل يوم: شربة ماء أو لبن، وفي الجمعة قفيز من قمح.
* عن الحسن - البصري - قال: والله، لقد أدركت أقوامًا، ما طوى لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئًا قط؛ وإن كان أحدهم ليقول: لوددت أني أكلت أكلة في جوفي مثل الآجرة؛ قال: ويقول: بلغنا أن الآجرة تبقى في الماء ثلاثمائة سنة، ولقد أدركت أقوامًا: إن كان أحدهم ليرث المال العظيم، قال: وإنه والله لمجهود شديد الجهد؛ قال: فيقول لأخيه: يا أخي، إني قد علمت أن ذا ميراث، وهو حلال؛ ولكني أخاف أن يفسد علي قلبي وعملي، فهو لك لا حاجة لي فيه؛ قال: فلا يرزأ منه شيء أبدًا، وإنه مجهود، شديد الجهد.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)