* عن مالك بن دينار قال: من دخل بيتي، فأخذ شيئًا، فهو له حالان؛ أما أنا، فلا أحتاج إلى قفل، ولا إلى مفتاح؛ وكان يأخذ الحصاة من حلال المسجد، فيقول: لوددت أن هذه أجزأتني في الدنيا ما عشت ـ لا أزيد على مصها ـ من الطعام والشراب؛ وكان يقول: لو صلح لي، أن أعمد إلى برذ لي، فأقطعه باثنين، فأتزر بقطعة، وارتد بقطعة، لفعلت.
* عن خالد بن حدير الأسلمي، أنه دخل على أبي الدرداء، وتحته فراش من جلد أو صوف، وعليه كساء صوف، وسبتية صوف، وهو وجع، وقد عرق؛ فقال: لو شئت، كسيت فراشك بورق، وكساء مرعزي، مما يبعث به أمير المؤمنين؛ قال: إن لنا دارا، وإنا لنظعن إليها ولها نعمل.
* عن الحسن قال: كان عطاء سلمان - رضي الله عنه: خمسة آلاف درهم، وكان أميرًا على زهاء ثلاثين ألفًا من المسلمين؛ وكان يخطب الناس في عباءة، يفترش بعضها، ويلبس بعضها، وإذا خرج عطاؤه أمضاه؛ ويأكل من سفيف يده.
* عن شرحبيل بن مسلم: أن عثمان - رضي الله عنه - كان يطعم الناس طعام الإمارة، ويدخل بيته، فيأكل الخل والزيت.
* عن محمد بن كعب قال: سمعت عليًا - رضي الله عنه - يقول: رأيتني أربط الحجر على بطني من شدة الجوع، على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وإن صدقتي اليوم لأربعون ألف دينار.
* عن الأعمش قال: بلغني، أن حذيفة - رضي الله عنه - يقول: ليس خيركم الذين يتركون الدنيا للآخرة، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا؛ ولكن: الذين يتناولون من كل.
* عن عبد الملك بن شداد بن الهاد قال: رأيت عثمان بن عفان يوم الجمعة على المنبر، عليه إزار عدني غليظ، ثمنه أربعة دراهم، أو خمسة دراهم؛ وريطة كوفية ممشقة.
* عن أبي سعيد ـ وكان رضيعًا لعائشة ـ قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، وهي تخيط نقبة لها؛ قلت: يا أم المؤمنين، أليس قد أوسع الله عز وجل؟ قالت: لا جديد لمن لا خلق له.
* عن الحجاج بن أبي عيينة قال: كان جابر بن زيد يأتينا في مصلانا؛ فأتانا ذات يوم، عليه نعلان خلقان؛ فقال: مضى من عمري ستون سنة، نعلاي هاتان أحب إلي مما مضى، إلا يك خيرًا قدمته.
* عن سلام بن مسكين قال: دخلت على مالك بن دينار في مرضه الذي مات فيه، فإذا البيت فيه سرير أثل، مرمول بالشريط، وعليه قطعة بورى؛ وإذا تحت رأسه قطعة كساء، وإذا ركوة وصاغرة؛ فرفع رأسه، فأخرج من تحت رأسه رغيفين يابسين، فقعد يكسر ذلك الرغيفين في الماء، حتى إذا ظن أن الخبز قد ابتل، قال: ناولني الدوخلة، فإذا دوخلة معلقة يابسة، فوضعتها، فأخرج منها صرة فيها ملح؛ وقال لي: أدن؛ فقلت: يا أبا يحيى، لا أشتهي؛ قال: فقال: هيهات هيهات، أنت ممن غذى في الماء العذب، فلا تصير في الماء المالح.
* عن معاوية بن عبد الكريم قال: ذكروا عند الحسن الزهد؛ فقال بعضهم: اللباس، وقال بعضهم: المطعم، وقال بعضهم: كذا؛ وقال الحسن: لستم في شيء، الزاهد: إذا رأى أحدًا، قال: هو أفضل مني.
* عن شقيق بن إبراهيم البلخي قال: عشرة أبواب من الزهد، يسمى الرجل فيها زاهدًا إذا فعلها، فإذا خالفها، سمي متزهدًا، والمتزهد: الذي يتشبه بالزهاد في رؤيته، وسمعته، وخشوعه، وقوله، ومدخله، ومخرجه، ومطعمه، وملبسه، ومركبه، وفعله، وحرصه؛ وحب الدنيا يشهد عليه بخلافه، ترى رضاه رضا الراغبين، وبساطه في كلامه وعجلته بساط الراغبين، وحسده، وبغيه، وتطاوله، وكبره، وفخره، وسوء خلقه، وجفا لسانه، وطول خوضه فيما لا يعنيه؛ يدل على نفاق المتزهد، لا على خشوع الزاهد؛ فاحذر من هذه الصفة، وإذا وجدت فيمن يزعم أنه زاهد: هذه الخصال التي أصفها لك، فارج له أن يكون في بعض طريق الزهاد
إذا أسرته حسنة، وساءته سيئة، وكره أن يحمد بما لم يفعل من البر؛ فأما إذا لم يفعل، يكرهه كما يكره لحم الخنزير والميتة والدم.
وإذا عرف هذه الخصال، صرف فيها نهاره وساعاته، وليلته وساعاتها، نقص أمله، وطال غمه بما أمامه.
فإذا شغل نفسه بغير ما خلق له، طال حزنه، وعلم أنه مفتون، وترك من شغله عن الطاعة في تلك الساعة؛ فبهذا يجدون حلاوة الزهد، وبه يحترزون من حزب الشيطان.
وإن ذكر الله عندهم: أحلى من العسل، وأبرد من البرد، وأشفى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف.
وتكون مجالستهم مع من يصف لهم الزهاد ويعظهم، أحب إليهم، وأشهى عندهم: ممن يعطيهم الدنانير، والدراهم، عند الحاجة؛ وذلك بقلوبهم، لا بألسنتهم.
وأن يخلو أحدهم بالبكاء على ذنوبه.
وعلى الخوف الشديد: أن لا يقبل منه ما يعمل.
ويظهر للناس من التبسم والنشاط، كأنه ذو رغبة، لا ذو رهبة.
وأن لا يحدث نفسه: أنه خير من أحد من أهل قبلته.
وأن يعرف ذنوبه، ولا يعرف ذنوب غيره.
فإذا كانت فيه هذه الأبواب العشرة، كان في طريق الزهاد؛ فأرجو أن يسلكه إن شاء الله؛ وسبعة أبواب تتلو هذه الآبواب:
التواضع لله بالقلب، لا بالتصنع.
والخضوع للحق طوعًا، لا بالإضطرار.
وحسن المعاشرة مع من ابتلي بمعاشرتهم، لا لرغبة فيما عندهم.
والهرب من المنكبين على الدنيا، كهرب الحمار من البيطار؛ والنفور عنها، كنفور الحمار من زئير السبع.
وطلب العافية من كل ما يخاف عقابه، ولا يرجو ثوابه.
ومجالسة البكائين على الذنوب، والرحمة لنفسه ولأنفسهم.
ومخاطبة العالمين بظاهره، لا بقلبه.
ولا يتخوف من الكائن بعد الموت، والأهوال، والشدائد.
فاذا فعل ذلك: سلك طريق الزهاد، ونال أفضل العبادة.
* عن كعب الأحبار قال: المؤمن الزاهد، والمملوك الصالح: آمنان من الحساب، وطوبى لهم، كيف يحفظهم الله في ديارهم؛ إن الله أذا أحب عبده المؤمن: زوى عنه الدنيا، ليرفعه درجات في الجنة؛ وإذا أبغض عبده الكافر: بسط له في الدنيا، حتى يسفله دركات في النار؛ قال كعب: ويقول الله لعباده الصابرين الراضين بالفقر: أبشروا، ولا تحزنوا، فإن الدنيا لو وزنت عند الله جناح بعوضة مما لكم عندي، ما أعطيتهم منها شيئًا. وقال كعب إذا اشتكى إلى الله عباده الفقراء الحاجة، قيل لهم: أبشروا، ولا تحزنوا، فإنكم سادة الأغنياء، والسابقون إلى الجنة يوم القيامة.
* عن الحسن - بن أبي الحسن - قال: والله، لقد أدركت أقوامًا، ما طوى لأحدهم في بيته ثوب قط، وما أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض فراشًا قط؛ وإن كان أحدهم ليقول: لوددت أني أكلت أكلة، تصير في جوفي مثل الآجرة. قال: ويقول: بلغنا أن الآجرة تبقى في الماء ثلاثمائة سنة.
* عن حفص بن عمر الجعفي قال: كان داود الطائي، قد ورث عن أمه أربعمائة درهم؛ فمكث يتقوتها ثلاثين عامًا، فلما نفدت، جعل ينقض سقوف الدويرة فيبيعها، حتى باع الخشب، والبواري، واللبن؛ حتى بقي في نصف سقف؛ وكان حائط داره من هذا اللبن العرزمي، الذي يجعل منه الكناسات؛ وباب خلاف، مربوع، قصير، لو أن غلاما وثب، سقط إلى الدار؛ وجاء صديق له، فقال: يا أبا سليمان، لو أعطيتني هذه، فبعتها لك، لعلنا نستفضل لك فيها شيئًا تنتفع به؛ فما زال به، حتى دفعها إليه؛ ثم فكر فيها، فلقيه بعد العشاء الآخرة؛ فقال: ارددها علي، قال: ولم يا أخي؟ قال: أخاف أن يدخل فيها شيء غير طيب؛ فأخذها.
* عن جعفر قال: كنا نأتي فرقدًا السبخي، ونحن شببة، فيعلمنا؛ فيقول: إن من ورائكم زمانا شديدًا، شدوا الازار على أنصاف البطون، وصغروا اللقم، وشدوا المضغ، ومصوا الماء؛ فإذا أكل أحدكم، فلا يحلن من إزاره، فتتسع أمعاؤه؛ وإذا جلس ليأكل، فليقعد على إلييه، وليلزق فخذيه ببطنه؛ وإذا فرغ، فلا يقعد، وليجيء، وليذهب؛ واحتفوا، فإن من ورائكم زمانًا شديدًا. قال: ودخلت على فرقد، وهو شيخ كبير، وبين يديه خل حامض، وهو يقول باللقمة في جوفه، ثم يأكل؛ فقلت: لم تفعل هذا يا أبا يعقوب؟ قال: ليقطع عني النكاح.
* قال وهب بن منبه: أعون الأخلاق على الدين: الزهادة في الدنيا؛ وأسرعها ردءا: اتباع الهوى؛ ومن اتباع الهوى: حب المال والشرف؛ ومن حب المال والشرف: تنتهك المحارم؛ ومن انتهاك المحارم: يغضب الله عز وجل؛ وغضب الله ليس له دواء.
* قال شقيق البلخي: والزاهد والراغب: كرجلين، يريد أحدهما المشرق، والآخر يريد المغرب، هل يتفقان على أمر واحد، وبغيتهما مخالفة، هواهما شتى؟ دعاء الرغب: اللهم، ارزقني مالا، وولدا، وخيرا، وانصرني على أعدائي، وادفع عني شرورهم، وحسدهم، وبغيهم، وبلاءهم، وفنتهم؛ آمين. ودعاء الزاهد: اللهم، ارزقني علم الخائفين، وخوف العاملين، ويقين المتوكلين، وتوكل الموقنين، وشكر الصابرين، وصبر الشاكرين، وإخبات المغلبين، وإنابة المخبتين، وزهد الصادقين، وألحقني بالشهداء، والأحياء المرزوقين؛ آمين رب العالمين. هذا دعاؤه، هل من شيء من دعاء الراغب يحيط به؟ لا والله، هذا طريق، وذاك طريق.
* قال إبراهيم بن أدهم: الزاهد: يكتفي من الأحاديث، والقال والقيل، وما كان وما يكون، بقول الله تعالى: {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ. لِيَوْمِ الْفَصْلِ. وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات:12ـ15] . يوم يقال: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء:14] .
* قال إبراهيم بن أدهم: أقرب الزهاد من الله عز وجل: أشدهم خوفًا؛ وأحب الزهاد إلى الله: أحسنهم له عملًا، وأفضل الزهاد عند الله: أعظمهم فيما عنده رغبة، وأكرم الزهاد عليه: أتقاهم له، وأتم الزهاد زهدًا: أسخاهم نفسًا، وأسلمهم صدرا، وأكمل الزهاد زهدًا: أكثرهم يقينًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)