كما سمع منهم تلقي الجواب بلم حكى الأصمعي أنه قيل لأعرابي: ألك بنون؟ قال: (نعم وخالِقِهِمْ لم تَقُمْ عن مِثْلِهِمْ مُنْجِبَةٌ) ( [72] ) ومنه قول الأعشى:
لئن مُنيْتَ بنا عن غِبِّ معركة لم تلفنا من دماء القوم ننتفل ( [73] )
الفصل الثالث: معنى لن
المبحث الأول: تأكيد النفي بلن ( [74] )
تمهيد
لن حرف نفي واستقبال ينصب المضارع بنفسه كما يقول الجمهور، وهو ينفي المضارع الذي دخلت عليه السين قال سيبويه: (( ولن أضرب نفي لقوله سأضرب، كما أن لاتضرب نفي لقوله اضربْ ولم أضربْ نفي لضربْتَ ) ) ( [75] ) ، وقال: (( ولم: وهي نفي لقوله فعل، ولن وهي نفي لقوله: سيفعل ) ) ( [76] ) وقال أيضًا: (( والسين التي في قولك سيفعل، وزعم الخليل أنها جوابُ لن يفعل ) ) ( [77] )
وقد اختلف العلماء في مسألتين مهمتين حيال إفادة لن توكيد النفي أو تأبيده أو عدم دلالتها على شيء من ذلك البتة 0
وسنرجيء الحديث عن قضية تأبيد النفي بلن للمبحث التالي (لن الزمخشرية) 0
وفي هذا المبحث سنحاول لمَّ شتات مسألة توكيد النفي بلن وِفْقَ المطالب التالية 0
المطلب الأول: رأي الزمخشري
يكرر الزمخشري في جلّ كتبه القول بتأكيد النفي بلن قال: (( ولن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل، تقول لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكَّدت وشدَّدت قلت لن أبرح اليوم مكاني ) ) ( [78] ) ، وقال أيضًا: (( ولن نظيرة لا في نفي المستقبل ولكن على التأكيد ) ) ( [79] ) ، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا (( [80] ) : (( فإن قلت ما حقيقة لن في باب النفي قلت لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أنَّ في لن توكيدًا وتشديدًا تقول لصاحبك: لا أقيم غدًا فإن أنكر عليك قلت: لن أقيم غدًا كما تفعل في أنا مقيم وإني مقيم ) ) ( [81] ) ، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى:) قال ربي أرني أنظرْ إليك قال لن تراني (( [82] ) : (( فإن قلت ما معنى لن؟ قلت تأكيد النفي الذي تعطيه لا، وذلك أن لا تنفي المستقبل تقول لا أفعل غدًا، فإذا أكَّدت نفيها قلت: لن أفعل غدًا ) ) ( [83] ) ، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى:) إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابًا (( [84] ) : (( لن أخت لا في نفي المستقبل إلا أن لن تنفيه نفيًا مؤكدًا ) ) ( [85] ) ، وقال أيضًا في تفسير قوله تعالى:) ولا يتمنونه أبدًا بما قدّمت أيدهم (( [86] ) : (( ولا فرق بين لا ولن في أن كل واحدة منهما نفي للمستقبل، إلا أن في لن تأكيدًا وتشديدًا ليس في لا ) ) ( [87] )
والنحاة الذين جاؤوا بعد الزمخشري انقسموا بين معارض له، ومؤيد في دعواه إفادة لن تأكيد النفي وسأدرس إن شاء الله في المطلبين التاليين هذين المذهبين 0
المطلب الثاني: رأي المعارضين له
انبرى للرد على الزمخشري في قضيَّة توكيد النفي بلن طائفة ممن أتي بعده من النحاة منهم ابن عصفور، وأبو حيان، وابن هشام، والمرادي، وغيرهم من تلامذة ابن مالك شراح التسهيل ومن تلامذة أبي حيان0 قال ابن عصفور في رده على الزمخشري: (( ما ذهب إليه دعوى لا دليل عليها بل قد يكون النفي بـ(لا) آكد من النفي بـ (لن) ؛لأن المنفي بـ (لا) قد يكون جوابًا للقسم، والمنفي بـ (لن) لا يكون جوابًا له، ونفي الفعل إذا أقسم عليه آكد )) ( [88] )
فابن عصفور بنى اعتراضه على الزمخشري بأن لا النافية تقع جوابًا للقسم ولن لا تقع جوابًا للقسم، ونفي الفعل المقسم عليه آكد من غير المقسم عليه 0
ولكن رُدَّ عليه بالشاهد السابق وهو:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التراب دفينًا
إذ وقعت لن فيه في جوابًا للقسم 0
وقال أبو حيّان: (( ونقل ابن مالك( [89] ) أن الزمخشري خصَّ النفي بالتأبيد، ونقل ابن عصفور عنه أنه زعم أن لن لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل، وأن مذهب سيبويه والجمهور أن لن لنفي المستقبل من غير أن يشترطا أن يكون النفي بها آكد من نفي لا )) ( [90] ) ، فأبو حيّان إذن يذكر أن ابن عصفور نقل عن الزمخشري القول بتأكيد النفي بلن، ونقل عن ابن مالك أن الزمخشري يرى تأبيد النفي بلن، ثم اعترض عليه بأن مذهب سيبويه والجمهور أن لن لنفي المستقبل ولم يشترطوا أن يكون النفي بها آكد من النفي بلا 0
وكرر هذا المعنى تلامذة أبي حيان كالمرادي ( [91] ) ، وابن عقيل ( [92] ) ، والسمين الحلبي ( [93] )
(يُتْبَعُ)