فكما أنّ الفاعل رُكْنٌ في الجُمْلة الفعْليّة، فلا تقوم جُمْلةٌ فعْليّةٌ من دونه، فكذلك، المبتدأ هو رُكْنٌ في الجُمْلة الاسميّة، فلا تقوم جُمْلةٌ اسْميّةٌ من دونه، فكما لا نقول: (قام) ، ونسْكت عليْه ونقف عنده، فكذلك لا نقول: (قائمٌ) ، ونسْكت عليْه ونقف عنده، وكما يُقدّر السّامع، أنّ معنى العبارة الأُولى هو: (قام هو) ، فكذلك لا بدّ من تقدير أنّ معنى العبارة الثانية هو: (هو قائمٌ) .
وأمّا قاعدة: (كلّ فعْلٍ لا بدّ له من فاعلٍ) ، فهذه القاعدة لا ينبغي أنْ تكون خاصّةً بالفعْل، لأنّ كلّ فعْلٍ إنّما كان يحْتاج إلى فاعلٍ لأجْل أنّه مُسْندٌ، وكلّ مُسْندٍ ـ بحُكْم العقْل ـ يحْتاج إلى ما يُسْند إليْه، إذْ لو لمْ يكنْ هناك شيءٌ قد أُسْند هو إليْه، لمْ يعُدْ مُسْندًا. وحينئذٍ نقول: فالقاعدة الصّحيحة هي: (كلّ مُسْندٍ لا بدّ له من مُسْندٍ إليْه) . وهذه القاعدة تنطبق على الخبر أيضًا، فكلّ خبرٍ، إذا كان مُسْندًا، فلا بدّ له من مُبْتدأ، لأنّ المُبْتدأ هو المُسْند إليْه. وعليْه: فقاعدة (كلّ فعْلٍ لا بدّ له من فاعلٍ) ، لا تصْلح لأنْ تكون تبريرًا لوجوب الإضمار في الفاعل، وعدم وجوبه في المبتدأ، لأنّ مثْلها يجْري في الخبر أيضًا.
أقول: فلذلك عليْنا أنْ نُفتّش عن علّةٍ تكون أكثر إقناعًا.
وأمّا التفريق بينهما بلحاظ وجوب التعريف وعدمه:
فأقول: أنا أعرف أنّ الفائدة لا تحْصل في مثْل (رجلٌ قائمٌ) ، وذلك بسبب تنكير المبتدأ، فلو جئْنا به معرفةً وقُلْنا: (الرّجل قائمٌ) ، حصلتْ الفائدة. ولكنْ هل تحصل الفائدة في مثْل قوْلنا: (قام رجلٌ) ؟! ولو سلّمْنا حصولها، فهل تعرفون السّبب لحصولها في (قام رجلٌ) ، وعدم حصولها في (رجلٌ قائمٌ) أو في (رجلٌ قام) ؟! هذا كان سؤالي.
وأمّا الجواب عنه: بأنّ النّكات البلاغيّة قد تسْتدعي التنكير في الفاعل، فيكفي في ردّه ملاحظة المسوّغات التي ذكروها للابتداء بالنّكرة، أفليْستْ هذه المسوّغات راجعةً إلى النّكات البلاغيّة أيضًا؟! فلماذا كان الأصْل تعريف المبتدأ، ولمْ يكنْ الأصْل تعريف الفاعل؟!
وأمّا التفريق بينهما بلحاظ التقديم والتأخير:
فقد وجدْتُ مَنْ صرَّح بأنّه لا يجب تعميم قاعدة: أنّ الأصْل في المُسْند إليْه هو التقديم، قال: لأنّ الفاعل يجب تأخيره، ولا يجب تقديمه. وعندئذٍ: فلنا أنْ نُجيب عن أصالة تقديم المُبْتدأ ووجوب تأخير الفاعل، بالقوْل: بأنّ العرب أرادوا أنْ يكون لديْهم أُسْلوبان في التعبير، أسلوبٌ يتصدّر الفعْل فيه الجُمْلة، وتكون الجُمْلة منسوبةً إليْه، فيُقال: جُمْلةٌ فعْليّةٌ. وأسلوبٌ يتصدّر الاسْم فيه الجُمْلة وتكون الجُمْلة منسوبةً إليْه، فيُقال: جُمْلةٌ اسْميّةٌ. ولكي يحْصلوا على غرضهم هذا، بما للجُملتيْن من اختلافٍ في تأدية المعنى، مذكورٍ في علوم البلاغة، لمْ يكنْ بإمكانهم إلاّ أنْ يوجبوا تقديم المبتدأ ـ غالبًا ـ، رعايةً لاسْميّة الجُمْلة، وتأخير الفاعل ـ دائمًا ـ رعايةً لفعْليّة الجُمْلة. والله أعلم ..
وكلّي شُكْرٌ لكمْ، وأرجو متابعة النّقاش، وأطْلب منكم أنْ تُتْحفونا ولا تبْخلوا عليْنا بنافع علومكم ..
ـ [عاملة] ــــــــ [22 - 02 - 2008, 08:36 م] ـ
وفي عوْدةٍ إلى مسألة حذْف المبتدأ واستتار الفاعل، أقول:
يُمْكن أنْ يُقال: إنّ كلّ حذْفٍ، لا يكون جائزًا إلاّ إذا كان هناك دليلٌ يدلّ على المحذوف بعْد حذْفه، لأنّ المعْنى الذي لاحظه المتكلّم وتصوّره وأراد أنْ يُعَبّر عنه، فيجب عليْه أنْ يأْتي بألْفاظٍ تكون وافيةً بالتعبير عن كافّة عناصر هذا المعنى ومفرداته، بحيْثُ لا تكون الألْفاظ ناقصةً قاصرةً عن أداء غرضه، وهو تفهيم الآخرين .. فإذا أراد المتكلّم أنْ يُقَلّل من الألْفاظ تخفيفًا على نُطْقه ولسانه، فله ذلك، ولكنْ بشرْطيْن:
الشّرْط الأوّل: أنْ يبْقى الكلام بعْد الحذْف وافيًا بتمام المقصود .. ولا يكون وافيًا بتمام المقصود إلاّ إذا نصب المتكلّم لنا دليلًا يكْشف عن وجود شيءٍ محذوفٍ، وينبّهنا إلى ضرورة فهْم الكلام في سياق كلّ دلالاته، بما فيها دلالة ذلك المحذوف، الذي الْتفت السّامع إلى حذْفه.
والشّرْط الثاني: أنْ يكون السّبيل إلى التخفيف والتسهيل مُنْحصرًا بالحذْف والإسقاط من الكلام، فلو كان هناك سبيلٌ آخر، لمْ يجز الحذْف، حتّى ولو قام على المحذوف الدّليل.
وإذا اتّضح ذلك، نقول: في موْرد المبتدأ، كثيرًا ما يتحقّق الشّرْطان معًا، فيجوز الحذْف.
وأمّا في موْرد الفاعل: فدائمًا لا يتحقّق الشّرْط الثاني، لأنّ السّبيل إلى التخفيف والتسهيل لا ينحصر بالحذْف وإسقاط الفاعل من الكلام إسقاطًا تامًّا، بل هناك وسيلةٌ أُخْرى تحقّق ذلك لنا، وتحافظ على اللّفْظ موجودًا، ولو بدرجةٍ خفيّةٍ، وهي طريقة: تحميل الفعْل مسؤوليّة فاعله. إذْ إنّ للفعْل القُدْرة على أنْ يحتضن فاعله في داخله، وذلك لأنّ الفعْل في حدّ نفْسه فيه دلالةٌ على نسْبة الحدث إلى فاعلٍ، وليس دوْر لمجيء الفاعل بعد الفعْل، إلاّ دوْر تعيين هويّة هذا الفاعل التي دلّ الفعْل على نسْبة الحدث إليْه. فإذا ما أراد المتكلّم أنْ يخفّف على نفْسه بتقليل بعْض الألْفاظ، فله أنْ يُسْقط لفْظ الفاعل اتّكالًا على أنّ الفعْل لمْ يفْقد الدّلالة عليْه، وأنّه يتضمّنه ويسْتبْطنه ويشْتمل عليْه. فلذلك يُقال: إنّ الفاعل ضميرٌ مُسْتترٌ في فعْله.
(يُتْبَعُ)