خلُّوا بني الكفار عن سبيلِهِ * فاليوم نضربْكم على تنزيلهِ
ضربًا يزيل الهام عن مَقِيلِهِ * ويذهلُ الخليلَ عن خليله
يا رب إني مؤمن بقيله
فقال عمر بن الخطاب: يابن رواحة، أفي حرم الله وبين يدي رسول الله، تقول الشعر!!
فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: مهْ يا عمر، فو الذي نفسي بيده، لكلامه هذا أشد عليهم من وقع النبل)! (البيهقي في سننه: 10>228، ونحوه الترمذي: 4>217، والذهبي في سير أعلام النبلاء: 1>235)
فعمر يريد أن يخفف على زعماء قريش وقع هزيمتهم، ولا يتحداهم في عاصمتهم. . ولا ننسى أن عمر من قبيلة عدي الصغيرة، وأنه نشأ على احترام زعماء قريش وإكبارهم.
ولكن الرؤية النبوية أن هؤلاء الفراعنة لا يفهمون إلا لغة السيوف والسهام، وأن عمل عبد الله بن رواحة عملٌ صحيحٌ، وقيمته عاليةٌ عند الله تعالى، لأنه أشد على أعداء الله من وقع النبل!!
وأعلن الرسول صلى الله عليه وآله الأمان لقريش، وجمع زعماءهم في المسجد الحرام وسيوف جنود الله فوق رؤوسهم. . وشرح لهم تكبرهم وتجبرهم وتكذيبهم لآيات الله ومعجزاته، وعداءهم لله ورسوله، واضطهادهم لبني هاشم والمسلمين، وحروبهم ومكائدهم ضد الإسلام ورسوله. .
ـ قال الطبري في تاريخه: 2>337:
عن قتادة السدوسي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائمًا حين وقف على باب الكعبة ثم قال:
لا إله الا إلله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده.
ألا كل مأثرةٍ أو دمٍ أو مالٍ يدَّعى، فهو تحت قدميَّ هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ...
يا معشر قريش: إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم وآدم خلق من تراب. (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) . . الآية.
يا معشر قريش ويا أهل مكة: ماترون أني فاعلٌ بكم؟!
قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم.
ثم قال: إذهبوا فأنتم الطلقاء.
فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوةً، وكانوا له فَيْأً، فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء. انتهى.
لقد خيرهم صلى الله عليه وآله بين إعلان إسلامهم أو القتل: فأعلنوا إسلامهم، فقال لهم: إذهبوا فأنتم الطلقاء، وذلك يعني أنه منَّ عليهم بحياتهم، مع أنهم يستحقون أن يتخذهم عبيدًا، أو يقتلهم!!
ويعني أن إعلان إسلامهم الشكلي، لم يرفع جواز استرقاقهم أو قتلهم!
ومما صادفته في تصفحي، ما ارتكبه الشيخ ناصر الدين الألباني من تعصبٍ مفضوح للقرشيين، حيث ضعف هذا الحديث! فقال في سلسلة أحاديثه الضعيفة
3>307 برقم 1163: ضعيف. رواه ابن إسحاق في السيرة 4>31 ـ 32، وعنه الطبري في التاريخ 3>120، ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 4>300 ـ 301، ساكتًا عليه. وهذا سندٌ ضعيف مرسل، لأن شيخ ابن إسحاق فيه لم يسمَّ، فهو مجهول. ثم هو ليس صحابيًا، لأن ابن إسحاق لم يدرك أحدًا من الصحابة، بل هو يروي عن التابعين وأقرانه، فهو مرسل، أو معضل. انتهى.
وكأن هذا المحدث لم يطلع على وجود هذا الحديث ومؤيداته في المصادر الأخرى، ولم ير المحدثين والفقهاء وهم يرسلونه إرسال المسلمات. .
وما أدري هل هو جهلٌ بالتاريخ والحديث الى هذا الحد. . أم حبٌّ للقرشيين ومحاولةٌ لتخليصهم من صفة الرق الشرعية للرسول وآله صلى الله عليه وآله؟! فإن مسألة الطلقاء ثابتة مشهورة عند جميع الفرق، واسم (الطلقاء) كالعلم لأكثر قريش، وهو كثيرٌ في مصادر الحديث، وقد دخلت أحكامه في فقه المذاهب.
ـ فقد روى البخارى في صحيحه: 5>105 ـ 106
قال لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا ...
ـ وفي مسلم: 3>106: ومعه الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده!!
ونحوه في: 5>196 ونحوه في مسند أحمد: 3>190 و 279
والصحيح أنه لم يثبت معه إلا بنو هاشم.
ـ وفي مسند أحمد: 4>363: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض، الى يوم القيامة.
(يُتْبَعُ)