لقد تجاهل ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وآله كان مأمورًا في تلك المرحلة بدعوة عشيرته الأقربين فقط، ولم يكن مأمورًا بعدُ بدعوة قريش وبقية الناس! فلا محل لما حبكته الرواية من خوفه من القتل والأذى!
ثم إن ابن كثير تفرد بربط آية العصمة بآية الأقربين، ولم أجد أحدًا سبقه اليه، ولا ذكر من أين أخذه؟!
وكأن المهم عنده أن يحرِّف كلام النبي صلى الله عليه وآله في حديث الدار ونصه على أن عليًا أخوه ووزيره وخليفته من بعده! ويبعد الآية عن سورة المائدة ويوم الغدير!!
وهذا قليلٌ من كثير من عمل ابن كثير، وإليك الحديث الذي بتره:
ـ قال الأميني في الغدير: 1>207:
وها نحن نذكر لفظ الطبري بنصه حتى يتبين الرشد من الغي:
قال في تاريخه: 2>217 من الطبعة الأولى:
إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم؟
قال: فأحجم القوم عنها جميعًا، وقلت ـ وإني لأحدثهم سنًا وأرمصهم عينًا وأعظمهم بطنًا وأحمشهم ساقًا ـ: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه.
فأخذ برقبتي ثم قال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع.
ـ وقال الأميني: 2>279:
وبهذا اللفظ أخرجه أبو جعفرالاسكافي المتكلم المعتزلي البغدادي المتوفى 240 في كتابه نقض العثمانية، وقال: إنه روي في الخبر الصحيح.
ورواه الفقيه برهان الدين في أنباء نجباء الأبناء>46 ـ 48
وابن الأثير في الكامل 2>24
وأبو الفدا عماد الدين الدمشقي في تاريخه 1>116
وشهاب الدين الخفاجي في شرح الشفا للقاضي عياض 3>37 (وبتر آخره) وقال: ذكر في دلايل البيهقي وغيره بسند صحيح.
والخازن علاء الدين البغدادي في تفسيره>390
والحافظ السيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه 6>392 نقلًا عن الطبري
وفي>397، عن الحفاظ الستة: ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردوية، وأبي نعيم، والبيهقي.
وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة 3>254. انتهى.
ثم شكا صاحب الغدير من تحريف الذين حرفوا الحديث لإرضاء قريش، ومنهم الطبري، الذي رواه في تفسيره بنفس سنده المتقدم في تاريخه، لكنه أبهم كلام النبي صلى الله عليه وآله في حق علي عليه السلام، فقال: ثم قال: إن هذا أخي وكذا وكذا. وتبعه على ذلك ابن كثير في البداية والنهاية: 3>40، وفي تفسيره: 3>351. انتهى.
القول الثاني
أنها نزلت في مكة قبل الهجرة بدون تحديد، فاستغنى بها النبي صلى الله عليه وآله عن حراسة عمه أبي طالب، أو عمه العباس!
وهذا القول هو المشهور في مصادر السنيين، ورواياته نوعان: نوعٌ نص على تاريخ نزولها تصريحًا أو تلويحًا، وأنه في مكة.
ونوعٌ لم يصرح بذلك ولم يربط نزولها بحراسة أبي طالب أو العباس، ولكنه ربطه بإلغاء النبي صلى الله عليه وآله لحراسته فحملناه عليه، لأن أصله رواية الترمذي عن عائشة، وقد فهم منها البيهقي وغيره أنها تقصد مكة، كما ستعرف.
فالنوع الأول: كالذي رواه السيوطي في الدر المنثور: 2>298 ـ 299، قال:
أخرج ابن مردوية والضياء في المختارة، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي آية أنزلت من السماء أشد عليك؟
فقال: كنت بمنى أيام الموسم، واجتمع مشركوا العرب وأفناء الناس في الموسم فنزل علي جبريل فقال: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس. قال فقمت عند العقبة فناديت: يا أيها الناس من ينصرني على أن أبلغ رسالة ربي ولكم الجنة؟ أيها الناس قولوا لا إلَه إلا الله، وأنا رسول الله إليكم، وتنجوا، ولكم الجنة.
(يُتْبَعُ)