وما أن أتم خطبته، حتى نزل جبرئيل بقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) . فكبر رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: ألله أكبر على إكمال الدين وإتمام النعمة، ورضى الرب برسالتي، وولاية علي بعدي .. .
ونزل عن المنبر، وأمر أن تنصب لعلي خيمة، وأن يهنئه المسلمون بولايته عليهم .. حتى أنه أمر نساءه بتهنئته، فجئن الى باب خيمته وهنأنه!
وكان من أوائل المهنئين عمر بن الخطاب فقال له: بخٍ بخٍ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة!
وجاء حسان بن ثابت، وقال: إئذن لي يارسول الله أن أقول في علي أبياتًا تسمعهن، فقال: قل على بركة الله، فأنشد حسان:
يناديهمُ يوم الغدير نبيُّهُمْ * بخمٍّ فأسمع بالرسول مناديءا
بقول فمن مولاكمُ ووليُّكُمْ * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلَهك مولانا وأنت ولينا * ولم ترَ منا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا عليُّ فإنني * رضيتك من بعدي إمامًا وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه * فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا اللهم وال وليه * وكن للذي عادى عليًا معاديا
أخذنا هذا التسلسل في قصة الغدير من مصادرنا المتعددة مثل: كمال الدين وتمام النعمة للصدوق>276، والإحتجاج للطبرسي: 1>70، وروضة الواعظين للنيسابوري>89، والمسترشد>117، وغيرها.
وقد روت مصادر السنة حديث الغدير قريبًا مما في مصادرنا، وتجد ذلك في كتاب الغدير للأميني.
ونكتفي هنا بنقل رواية مسلم في صحيحه: 7>122 قال:
عن يزيد ابن حيان قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم، الى زيد بن أرقم، فلما جلسنا اليه قال له حصين:
لقد لقيت يازيد خيرًا كثيرًا، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا.
حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: يا ابن أخي، والله لقد كبرت سني وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا، فلا تكلفونيه.
ثم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فينا خطيبًا، بماء يدعى خمًّا بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال:
أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشرٌ يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين:
أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال:
وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي.
فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟
قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده.
قال: ومن هم؟
قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.
قال: كل هؤلاء حرم الصدقة
قال: نعم. انتهى. ورواه أحمد في مسنده: 2>366، وغيره .. وغيره.
ـ وقال الحاكم في المستدرك 3>148
عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وأهل بيتي، وإنهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض.
هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. انتهى.
وقد رأيت أن مسلمًا رواه، ولكن لفظ الحاكم فيه إخبارٌ نبوي باستمرار وجود إمام من أهل بيته صلى الله عليه وآله الى يوم القيامة.
ـ وانظر كيف صوَّر ابن كثير القضية في بدايته: 5>408، قال:
لما تفرغ النبي من بيان المناسك، ورجع الى المدينة خطب خطبة عظيمة الشأن في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة بغدير خم، تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء، وذكر في فضل علي بن أبي طالب وأمانته وعدله وقربه إليه، وأزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه، وقد اعتنى بأمر حديث غدير خم أبو جعفر الطبري، فجمع فيه مجلدين، وأورد فيها طرقه وألفاظه، وكذلك الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة. انتهى.
(يُتْبَعُ)