فأما الثلاث التي وددت أني لم أفعلهن: فوددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته، وإن أغلق على الحرب.
ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة، قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين، أبي عبيدة أو عمر، وكان أمير المؤمنين وكنت وزيرًا.
ووددت أني حين وجهت خالد بن الوليد الى أهل الردة، أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإلا كنت ردءًا ومددًا.
وأما الثلاث اللاتي وددت أني فعلتها: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث أسيرًا ضربت عنقه، فإنه يخيل إلي أنه لا يكون شرٌّ إلا طار إليه.
ووددت أني يوم أتيت بالفجاءة السلمي، لم أكن أحرقته، وقتلته سريحًا أو أطلقته نجيحًا.
ووددت أني حين وجهت خالد بن الوليد الى الشام، وجهت عمر الى العراق فأكون قد بسطت يميني وشمالي في سبيل الله عز وجل.
وأما الثلاث اللاتي وددت أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن:
فوددت أني سألته فيمن هذا الأمر فلا ينازع أهله.
ووددت أني كنت سألته هل للأنصار في هذا الأمر سبب؟
ووددت أني سألته عن العمة وبنت الأخ، فإن في نفسي منهما حاجة. انتهى.
وغرضنا من النص بيان حالة الخليفة وأنه يقصد بقوله (وددت أني لم أكن كشفت بيت فاطمة وتركته وإن أغلق على الحرب) أنه نادمٌ على مهاجمة البيت، حتى لو كان أهله يعدون العدة لحربه!
وخلاصة القصة: أن أبا بكر أرسل الى علي عليه السلام يطلب منه أن يبايعه، فامتنع علي عن بيعته، وأجابهم جوابًا شديدًا، اتهمهم فيه.
وبلغ أبا بكر أن عددًا من الأنصار والمهاجرين اجتمعوا في بيت علي الذي كان يعرف ببيت فاطمة عليهما السلام، فأشار عليه عمر بأن يهاجموا البيت ويهددوهم بإحراقه عليهم، إن لم يخرجوا ويبايعوا!
وبالفعل هاجمت مجموعة بقيادة عمر بن الخطاب بيت الزهراء عليها السلام وحاصروه وجمَّعوا الحطب على باب داره، وهددوا عليًا وفاطمة عليهما السلام والذين كانوا في البيت ـ ومنهم مؤيدون لموقف علي، ومنهم جاؤوا معزين بوفاة النبي صلى الله عليه وآله ـ هددوهم بأنهم إما أن يخرجوا ويبايعوا أبا بكر، أو يحرقوا عليهم الدار بمن فيه!
وبالفعل أشعلوا الحطب في باب الدار الخارجي!!
ولم يشأ علي عليه السلام أن يخرج اليهم بذي الفقار عملًا بوصية النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان أخبره بكل ما سيحدث، وأمره فيه بأوامره .. فخرجت اليهم فاطمة الزهراء عليها السلام
فأهانوها وضربوها، حتى أسقطت جنينها .. الى آخر تلك الأحداث المؤلمة لقلب كل مسلم ..
في ذلك الظرف، قرر علي وفاطمة عليهما السلام أن يستنهضا الأنصار ويطالباهم بالوفاء ببيعة العقبة، التي شرط عليهم النبي صلى الله عليه وآله فيها أن يحموه وأهل بيته وذريته، مما يحمون منه أنفسهم وذراريهم، فبايعوه على ذلك!
وكانت فاطمة عليها السلام مريضة مما حدث لها في الهجوم على بيتها، فأركبها علي عليه السلام على دابة، وأخذا معهما أولادهما الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، وجالوا على بيوت رؤساء الأنصار في تلك الليلة والتي بعدها، وكلمتهم فاطمة عليها السلام فكان قول أكثرهم: يا بنت رسول الله، لو سمعنا هذا الكلام منك قبل بيعتنا لأبي بكر، ما عدلنا بعلي أحدًا! فقالت الزهراء عليها السلام:
وهل ترك أبي يوم غدير خمٍّ لأحدٍ عذرًا!! (الخصال>173)
إن منطق الزهراء عليها السلام هو منطق أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله تمامًا .. فهي بضعةٌ منه، وهي مطهرةٌ من منطق المثَّاقلين الى الأرض وتفكيرهم .. وكل تكوينها وتفكيرها ومشاعرها وتصرفاتها ربانية، ولذلك قال عنها أبوها (إن الله يرضى لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها!) ذلك أنها ليس لها شخصيتان: واحدةٌ رسالية والأخرى شخصية، فتغلبُ هذه مرةً وهذه مرة، بل وجودها موحدٌ منسجمٌ دائمًا .. فهي أَمَةُ هذا الرب العظيم لا غير، وتابعةُ هذا الرسول والأب الحبيب لا غير .. صلى الله عليه وآله.
وفاطمة الزهراء تعرف أنه سبحانه يتعامل مع الناس بإقامة الحجة عليهم في أصول الإسلام وتفاصيله، في أسس العقيدة وجزئيات الشريعة، وفيما يجب على الأمة في حياة نبيها، وبعد وفاته ..
(يُتْبَعُ)