وقد أقام أبوها الحجة لربه كاملةً غير منقوصة، في جميع الأمور، ومن أعظمها حق زوجها علي، وولديها الحسن والحسين عليهم السلام الذين أعطاهم الله حق الولاية على الأمة بعد أبيها!
بهذا المنطق قالت الزهراء عليها السلام للأنصار: إن جوابكم لي جواب سياسي .. ومنطق الحجة الإلَهية أعلى من منطق اللعب السياسية، ومهيمنٌ عليه، ومتقدم عليه رتبةً، وفاضحٌ له .. فقد بلَّغَ أبي صلى الله عليه وآله عن ربه، وأخبركم أن المالك العظيم سبحانه قد قضى الأمر، وجعل لأمة رسوله وليًا .. فمتى كان لكم الخيرة من أمركم حتى تختاروا زيدًا أو عمرًا، بعد أن قضى الله ورسوله أمرًا!!
فالحجة عليكم تامةٌ من أبي، والآن مني، ونعم الموعدُ القيامة، والزعيمُ محمد صلى الله عليه وآله وعند الساعة يخسر المبطلون!
لقد كان إعلان غدير خمٍّ عملًا ربانيًا خالدًا، بمنطق التبليغ والأعمال الرسولية .. وكانت الأعمال المقابلة له أعمالًا قويةً بمنطق الأعمال السياسية، وفرض الأمر الواقع .. والعمل السياسي قد يغلب العمل الرسولي .. ولكنها غلبةٌ سياسيةٌ جوفاء بلا حجة! ولو استمرت سنين، أو قرونًا، أو الى ظهور المهدي الموعود عليه السلام.
الفصل الرابع
آية إكمال الدين
آخر مانزل من القرآن
ليس من المبالغة القول: إن البحث الجاد في أسباب نزول آيات القرآن وسوره، من شأنه أن يحدث تحولًا علميًا، لأنه سيكشف العديد من الحقائق، ويبطل بعض المسلمات التي تصور الناس لقرون طويلة أنها حقائق ثابتة!
ذلك أن الجانب الرياضي في أسباب النزول أقوى منه في موضوعات التفسير الأخرى ..
فعندما تجد خمس روايات في سبب نزول آية، وكل واحدة منها تذكر سببًا وتاريخًا لنزولها، وهي متناقضة في المكان أو الزمان أو الحادثة .. فلا يمكنك أن تقول كلها مقبولة وكل رواتها صحابة، وكلهم نجوم بأيهم اقتدينا اهتدينا ..
بل لابد أن يكون السبب وأحدًا من هذه الأسباب، أو من غيرها، والباقي غير صحيح!
ولهذه الطبيعة المحددة في سبب النزول، كانت مادة أسباب النزول مادة حاسمةً في تفسير القرآن .. وإن كانت صعوبة البحث فيها تعادل غناها، بل قد تزيد عليه أحيانًا، لكثرة التشويش والتناقض والوضع في رواياتها!
ومهما يكن الأمر، فلا بد للباحثين في تفسير القرآن وعلومه، أن يدخلوا هذا الباب بفعاليةٍ وصبر، ويقدموا نتائج بحوثهم الى الأمة والأجيال، لأنها ستكون نتائج جديدة ومفيدة في فهم القرآن والسيرة، بل في فهم العقائد والفقه والإسلام عمومًا ..
وأكتفي من هذا الموضوع بهذه الإشارة لنستفيد في موضوعنا من أسباب النزول.
ليس من العجيب أن يختلف المسلمون في أول آيات نزلت على النبي صلى الله عليه وآله، لأنهم لم يكونوا مسلمين آنذاك .. ثم إنهم باستثناء القلة، لم يكتبوا ما سمعوه من نبيهم في حياته، فاختلفوا بعده في أحاديثه وسيرته.
ولهذا لا نعجب إذا وجدنا أربعة أقوال في تعيين أول ما أنزله الله تعالى من كتابه: أنه سورة إقرأ. وأنه سورة المدثر. وأنه سورة الفاتحة. وأنه البسملة .. كما في الإتقان للسيوطي: 1>91
ولكن العجيب اختلافهم في آخر ما نزل من القرآن، وقد كانوا دولةً وأمةً ملتفَّةً حول نبيها، وقد أعلن لهم نبيهم صلى الله عليه وآله أنه راحلٌ عنهم عن قريب، وحج معهم حجة الوداع، ومرض قبل وفاته مدةً، وودعوه وودعهم!!
فلماذا اختلفوا في آخر آيةٍ أو سورةٍ نزلت عليه صلى الله عليه وآله؟!!
الجواب: أن الأغراض الشخصية والسياسية لم تدخل في مسألة أول مانزل من القرآن كما دخلت في مسألة آخر ما نزل منه .. كما سترى!!
سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن
يصل الباحث في مصادر الحديث والفقه والتفسير الى أن سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن .. وأن آية (اليوم أكملت لكم دينكم) نزلت بعد إكمال نزول جميع الفرائض .. وأن بعض الصحابة حاولوا أن يجعلوا بدل المائدة سورًا أخرى، وبدل آية إكمال الدين، آيات أخرى!
(يُتْبَعُ)