ويؤيد قول أهل البيت عليهم السلام أيضًا ما رووه عن جابر بأن حركته صلى الله عليه وآله كانت لاَربعٍ بقين من ذي القعدة، كما يأتي من سيرة ابن كثير.
بل يؤيده أيضًا، أن البخاري وأكثر الصحاح رووا أن سفره صلى الله عليه وآله كان كان لخمسٍ بقين من ذي القعدة، بدون تحديد يوم راجع البخاري: 2>146 و 184 و 187 و: 4>7 وفيه (وقدم مكة لاَربع ليالٍ خلون من ذي الحجة) ، والنسائي: 1>154 و 208 و: 5>121، ومسلم: 4>32، وابن ماجه: 2>993، والبيهقي: 5>33، وغيرها.
ويؤيده أيضًا أن مدة سيره صلى الله عليه وآله من المدينة الى مكة لا تزيد على ثمانية أيامٍ، وذلك بملاحظة الطريق الذي سلكه، والذي هو في حدود 400 كيلو مترًا، وملاحظة سرعة السير، حتى أن بعض الناس شكوا له تعب أرجلهم فعلمهم شدها.
وملاحظة أن أحدًا لم يرو توقفه في طريق مكة أبدًا.
وملاحظة روايات رجوعه ووصوله الى المدينة أيضًا، مع أنه توقف طويلًا نسبيًا في الغدير .. الخ.
ثم بملاحظة الروايات التي تتفق على وصوله الى مكة في الرابع من ذي الحجة. كما رأيت في روايات أهل البيت عليهم السلام ورواية البخاري الآنفة.
وبذلك تسقط رواية خروجه من المدينة لستٍ بقين من ذي الحجة، كما في عمدة القاري، وإرشاد الساري، وابن حزم، وهامش السيرة الحلبية: 3>257، لاَنها تستلزم أن تكون مدة السير الى مكة عشرة أيام!
وبهذا يتضح حال القول المخالف لرواية أهل البيت عليهم السلام الذي اعتمد أصحابه رواية (خمس بقين من ذي القعدة) وحاولوا تطبيقها على يوم السبت، ليجعلوا أول ذي الحجة الخميس، ويجعلوا يوم عرفة يوم الجمعة تصديقًا لقول عمر، بل تراهم ملكيين أكثر من الملك، لما تقدم عن عمر من أن يوم عرفة كان يوم الخميس.
وممن قال برواية السبت ابن سعد في الطبقات: 2>124، والواقدي في المغازي: 2> 1089 وكذا في هامش السيرة الحلبية: 3>3، والطبري: 3>148، وتاريخ الذهبي: 2>701، وغيرهم.
وعلى هذه الرواية يكون الباقي من شهر ذي القعدة خمسة أيام هي: السبت والاَحد والاِثنين والثلاثاء والاَربعاء، ويكون أول ذي الحجة الخميس، ويكون يوم عرفة يوم الجمعة، وتكون مدة السير الى مكة تسعة أيام، إلا أن يكون الراوي تصور أن ذي القعدة كان تامًا، فظهر ناقصًا.
وقد حاول ابن كثير الدفاع عن هذا القول، فقال في سيرته: 4>217:
وقال أحمد ... عن أنس بن مالك الاَنصاري قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر في مسجده بالمدينة أربع ركعات، ثم صلى بنا العصر بذي الحليفة ركعتين آمنًا لا يخاف، في حجة الوداع. تفرد به أحمد من هذين الوجهين، وهما على شرط الصحيح. وهذا ينفي كون خروجه عليه السلام يوم الجمعة قطعًا.
ولا يجوز على هذا أن يكون خروجه يوم الخميس كما قال ابن حزم، لاَنه كان يوم الرابع والعشرين من ذي القعدة، لاَنه لا خلاف أن أول ذي الحجة كان يوم الخميس لما ثبت (بالتواتر والاِجماع) من أنه عليه السلام وقف بعرفة يوم الجمعة، وهو تاسع ذي الحجة بلا نزاع.
فلو كان خروجه يوم الخميس الرابع والعشرين من ذي القعدة، لبقي في الشهر ست ليال قطعًا: ليلة الجمعة والسبت والاَحد والاِثنين والثلاثاء والاِربعاء. فهذه ست ليال. وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة وتعذر
أنه يوم الجمعة لحديث أنس، فتعين على هذا أنه عليه السلام خرج من المدينة يوم السبت، وظن الراوي أن الشهر يكون تامًا فاتفق في تلك السنة نقصانه، فانسلخ يوم الاَربعاء واستهل شهر ذي الحجة ليلة الخميس. ويؤيده ما وقع في رواية جابر: لخمس بقين أو أربع.
وهذا التقريب على هذا التقدير لا محيد عنه ولا بد منه. والله أعلم. انتهى.
ويظهر من كلام ابن كثير عدم اطمئنانه بهذه التقديرات، لاَنه رأى تشكيك الخليفة عمر نفسه، وتشكيك سفيان الثوري الذي رواه البخاري، وتشكيك النسائي. وجزم ابن حزم بأن سفره صلى الله عليه وآله كان يوم الخميس.
(يُتْبَعُ)