التاسعة: أن النبي صلى الله عليه وآله عندما كان مريضًا شكل جيشًا بقيادة أسامة بن زيد، وجعل تحت إمرته كل زعماء قريش غير بني هاشم، وعقد اللواء لأسامة بن زيد، وأمره أن يسير الى مؤتة في الأردن لمحاربة الروم .. أراد بذلك أن يرسخ قدرة الدولة الإسلامية ويأخذ بثار شهداء مؤتة، وأراد أن يفرغ المدينة من المعارضين لعلي عليه السلام قبيل وفاته صلى الله عليه وآله!
فخرج أسامة بمن معه وعسكر خارج المدينة، ولكن زعماء قريش أحبطوا خطة النبي صلى الله عليه وآله بتتثاقلهم عن الإنضمام الى جيش أسامة، وتأخيرهم من استطاعوا عنه، ثم طعنوا في تأمير النبي صلى الله عليه وآله لأسامة الأفريقي الشاب، بحجة صغر سنه، وواصلوا تسويفهم الوقت، والذهاب الى معسكر أسامة ثم الرجوع الى المدينة .. حتى صعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر وشدد على إنفاذ جيش أسامة، وأبلغ المسلمين صدور اللعنة من ربه عز وجل ومنه صلى الله عليه وآله على كل من تخلف عن جيش أسامة!!
العاشرة: تصعيد قريش فعاليتها في مواجهة النبي صلى الله عليه وآله، وقرارها الخطير بمواجهته صلى الله عليه وآله مباشرةً إذا أراد أن يستخلف عليًا وأهل بيته من بعده رسميًا!
وبالفعل فقد قام بمهمة المواجهة زعيم قريش الجديد عمر بن الخطاب، وذلك عندما جمع النبي صلى الله عليه وآله زعماء قريش والأنصار في مرض وفاته، وأخبرهم أنه قرر أن يكتب لأمته كتابًا لن تضل بعده أبدًا، فعرفوا أنه يريد أن يثبت ولاية علي وأهل بيته عليهم السلام على الأمة بصورة مكتوبة، فواجهه عمر بصراحة: لا نريد كتابك وأمانك من الضلال، ولا سنتك ولا عترتك، وحسبنا كتاب الله! وحتى تفسيره من حقنا نحن لا من حقك، وحق عترتك!!
وأيده القرشيون الحاضرون ومن أثَّروا عليه من الأنصار، وصاحوا في محضر نبيهم صلى الله عليه وآله: القول ما قاله عمر!!
وانقسم المودعون لنبيهم في آخر أيامه، وتشادوا بالكلام فوق رأسه صلى الله عليه وآله!! منهم من يقول قربوا له قلمًا وقرطاسًا يكتب لكم أمانًا من الضلال. وأكثرهم يصيح: القول ما قاله عمر، لا تقربوا له شيئًا، ولا تدَعُوهُ يكتب!!
ولعل جبرئيل حينذاك كان عند النبي صلى الله عليه وآله فقد كثر نزوله عليه في الأيام الأخيرة، فتشاور معه وأخبره أن الحجة قد تمت، والإصرار على الكتاب يعني دفع قريش نحو الردة، والحل هو الإعراض عنهم، وإكمال تبليغهم بطردهم!!
فطردهم النبي صلى الله عليه وآله وقال لهم: قوموا فما ينبغي عند نبي تنازع! قوموا، فما أنا فيه خير مما تدعوني اليه .. !!
وحديث إيتوني بدواةٍ وقرطاسٍ حديث معروفٌ، وقد سمى ابن عباس تلك الحادثة (رزية يوم الخميس) ، وقد رواها البخاري في ست مواضع من صحيحه!
الحادية عشرة: كان النبي صلى الله عليه وآله مصابًا بحمى شديدة في مرضه، وكان يغشى عليه لدقائق من شدة الحمى ويفيق .. فأحس بأن بعض من حوله أرادوا أن يسقوه دواء عندما أغمي عليه، فأفاق ونهاهم، وشدد عليهم النهي بأن لا يسقوه أي دواء إذا أغمي عليه .. ولكنهم اغتنموا فرصة الإغماء عليه بعد ذلك، وصبوا في فمه دواء فرفضه، ولكنهم سقوه إياه بالقوة!!
فأفاق النبي صلى الله عليه وآله، ووبخهم على عملهم! وأمر كل من كان حاضرًا أن يشرب من ذلك الدواء، ماعدا بني هاشم!!
ورووا أن الجميع شربوا من (ذلك) الدواء!!
هذه الحادثة المعروفة في السيرة بحادثة (لَدّ النبي) صلى الله عليه وآله ينبغي أن تعطى حقها من البحث والتحقيق، فربما كانت محاولةً لقتل النبي صلى الله عليه وآله بالسم!!
إن وكل واحدة من هذه الحوادث تصلح أن تكون موضوعًا لرسالة دكتوراه .. ولكنا أردنا منها التمهيد لتفسير آية (سأل سائل) في مطلع سورة المعارج.
وإذا أردت أن تعرف الأبطال الحقيقيين لهذه الحوادث، والأدمغة المخططة لها .. فابحث عن قريش!!
وإذا أردت أن تفهم أكثر وتتعمق أكثر، فابحث .. عن علاقة قريش باليهود!! فاعجب من ذلك، وافهم كيف عصم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله من أن ترتد قريش في حياته، وتعلن كفرها بنبوته!
(يُتْبَعُ)