وفى هذا النوع يبدو المنطق، ولكنه لا يكون في شكل قصية كما يفعل أبو على الفارسى.
2 -وإما أن يكون اللفظ المفسر في سورة، واللفظ المفسر في أخرى، وذلك هو الأكثر، كما في قوله تعالى:
(ا) بث فيها رجالا كثيرا ونساء: معنى بث: نشر. يقال: «بث الله الحلق» وقال (عز وجل) { «كَالْفَرََاشِ الْمَبْثُوثِ» } فهذا يدل على بث.
(ب) الدليل على أن المحصنات هن العفائف قوله: { «وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرََانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهََا» } أى أعفت فرجها [1] .
والأصل في هذين القسمين ما ذكره أبو إسحاق من أن القرآن كله كالسورة الواحدة، ألا ترى أن جواب الشيء فيه يقع وبينهما سور، كما قال (جل وعز) جوابا لقوله: { «وَقََالُوا: يََا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ» } فقال: { «ن وَالْقَلَمِ وَمََا يَسْطُرُونَ مََا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ» } .
ومما يجدر ذكره أن أبا على تأثر بشيخه أبى إسحاق الزجاج في مسلكه هذا تأثرا واضحا على الفرق بين الرجلين في ظهور مسحة المنطق عند أبى على [2] ، وخفوتها عند الزجاج، ولكن أبا على متأثر بشيخه في هذا على أية حال.
كما يفسر اللفظ القرآنى ثانيا بالشعر العربى، وأقوال الأئمة اللغويين من شيوخه أو من تأسى بهم من السابقين، وذلك قوله: «الكلالة سوى الولد والوالد، والدليل على أن الأب ليس بكلالة قول الشاعر:
فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب
وقد يمزج في الشرح بين الاشتقاق، وأقوال الأئمة، والاستشهاد الشعرى كما في قوله «العزة» المنعة وشدة الغلبة، وهو مأخوذ من قولهم: «أرض عزاز» قال الأصمعى العزاز النّفل من الأرض الصلب الحجارة الذى يسرع منه جرى الماء والسيل، فتأويل العزة الغلبة والشدة التى لا يتعلق بها إذلال، قالت الخنساء.
كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزّا
أى من قوى غلب وسلب.
وهكذا تراه يبنى على قول الأصمعى، ويرجع المعنى في العزة إلى ما ذكره وهو
(1) كتاب معاني القرآن: سورة النساء.
(2) راجع فصل المنطق عند الفارسى.