الباب الأول
عصر أبى على وحياته وآثاره
قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس ودعوتهم، وحفظ العباسيون لهم هذه العارفة، فاتخذوا منهم القادة، والقضاة، والولاة، والوزراء، والكتاب، والحجاب، ورؤساء الشرطة إلا أن الفرس كانوا يأملون أكثر مما نالوا في ظل بنى العباس من مكانة ونفوذ، فحاكوا الدسائس، وأحكموا المؤامرات والمكايد، وفطن الخلفاء العباسيون في صدر دولتهم، إلى ما يحيك الكائدون والمتنمرون فبطشوا بهم جبارين فكان قتل أبى مسلم الخراسانى، وأبى سلمة الخلال، وكانت نكبة البرامكة على ما هو متعالم معروف.
ثم دب دبيب النزاع بين العرب والفرس مرة أخرى، في تلك الفتنة التى كانت بين الأمين ومن ورائه العرب والمأمون ومن ورائه الفرس، وانتهت بانتصار هؤلاء يمثلهم المأمون على خصومهم ممثلين في قتل الأمين
ولكن الفرس لم يقنعوا فكانت ثورة «بابك الخرّمى [1] » ، وكانت مناهضته للمأمون، ثم كانت انتصاراته الباهرة حتى إذا شعر المأمون بدنو أجله استدعى أخاه المعتصم، وألح عليه أن يداوم على حرب البابكية بصرامة وحزم.
ولكن المعتصم (297218هـ) وقد رأى مناهضة الفرس، ومعارضة العرب ولى وجهه نحو عنصر آخر هو «الأتراك» فاتجه إلى بلاد الترك يستكثر غلمانها، ويؤلف منهم جيشا قويا، وأسكنهم بغداد حتى ضاقت بهم، وزاحموا الناس في دورهم، وتعرضوا للنساء، فكان في كل يوم ربما قتل منهم جماعة، حدث المؤرخون قالوا: «ركب المعتصم يوما فلقيه رجل شيخ، فقال للمعتصم: «يا أبا إسحق!» فأراد الجند ضربه فمنعهم المعتصم وقال له: «ما لك يا شيخ!» فقال: («لا جزاك الله خيرا عن الجوار!) جاورتنا مدة فرأيناك شر جار، جئتنا بهؤلاء العلوج من غلمانك الأتراك فأسكنتهم بيننا فأيتمت بهم صبياننا، وأرملت نساءنا، والله لنقاتلك بسهام
(1) تاريخ الأمم الاسلامية للأستاذ الخضرى ص 196.