وقبله قوله:
لو جار سلطان القنوع وحكمت ... في الخلق ما كان القليل قليلا
والشيخ أبو على ليس ممن يحتج ببيت محدث في الإعراب.
جاء في العسكريات إن قلت: شتان ما بينهما فالقياس يمنعه. وبعد أن علل ذلك قال: وقد جاء في الشعر شتان ما بين اليزيدين. إلا أن الأصمعى طعن في فصاحة هذا الشاعر، وذهب إلى أنه غير محتج بقوله: ورأيت أبا عمر قد أنشد هذا البيت على وجه القبول له والاستشهاد به، وقد طعن الأصمعى على غير شاعر قد احتج بهم غيره كذى الرمة والكميت فيكون هذا أيضا مثلهم [1] .
وإذا فأبو على كما قال الجرجانى لا يحتج بمحدث، وما يستنتجه المحدثون من احتجاجه ببيت أبى تمام لا يتفق مع منزع أبى على كما ترى. وإنما يحتج بأشعار المولدين في المعانى فقط لأن ذلك شىء مشترك فأما حديث اللفظ فللعرب، وكان شيخا [2] (رحمه الله) يحمله أن يكون جرى في المجلس هذا الخبر، فقال هو أو بعض الحاضرين، ومثل ذا بيت فلان تقريبا. فالحق ذلك بحاشية الكتاب، ثم وقع في العمود فأما أن يكون دونه فبعيد. فإن قيل: إن هذا النحو لما كان مشهورا مستغنيا عن الحجة، وكان القصد فيه زيادة البيان بالتمثيل أورد هذا البيت فلم يمتنع.
وقد يقال: وإلى هذا ذهب فلان في قوله به، ولا يقصد بذلك الاحتجاج وإنما يراد إيضاح قصده، وتقريب المسلك [3] . ومن عجب أن يقرر علماؤنا من أعضاء المجمع أن البيت استشهد به لأن سيف الدولة كان يعجب به وينشده كثيرا [4] . ولا علاقة لسيف الدولة بكتاب الإيضاح أولا، ثم إن هذه الدعوى مردودة كما رأيت ثانيا.
يظهر أن بعض المصطلحات النحوية حتى عصر أبى على لم يسم بالأسماء التى أطبقها النحاة عليه في العصور المتأخرة. فالمركب المزجى مثلا لم يستعمله، ويعبر عنه الزجاج بقوله: «باب الاسمين الذين ضم أحدهما إلى الآخر فجعلا اسما واحدا [5] ، ويدل عليه أبو على بقوله: «الاسمان اللذان يجعلان اسما واحدا [6] » ، واسم
(1) العسكريات لوحة 133.
(2) شيخ عبد القاهر هو أبو الحسن بن عبد الوارث بن أخت أبي على الفارسى (نزهة الألباء 226) .
(3) المقتصد ورقة 74.
(4) انظر مجلة المجمع 6/ 100.
(5) سر النحو للزجاج 66.
(6) الإيضاح 99وكذلك فعل في العسكريات لوحة 138.