«وفيه ألم إلمامة يقتضيها المقام بنشأة القراءات وتطورها والفقه وعلم الكلام وأثر ذلك كله في القراءات والبحث النحوى، وبذلك تتم حلقات السلسلة منذ أن نشأت هذه العلوم إلى عصر أبى على الفارسى» .
أولا نشأة القراءات وتطورها وأثرها في البحث النحوى:
عنى المسلمون عناية منقطعة النظير بكتاب الله الكريم، فتركزت دراساتهم فيه، أو دارت حوله، وعكفوا عليه مفسرين، وتفهموا أحكامه متفقهين، وتلوه حق تلاوته متعبدين، تحقيقا لمضمون قوله تعالى وهو أصدق القائلين: { «إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} [1] »
دعا الرسول (صلوات الله عليه وسلامه) إلى تعلمه وتعليمه، وقراءته وإقرائه وجعل قراءته أفضل العبادة، وارتفع بمكان أهله فجعلهم أهل الله وخاصته [2] ، ووجه أنظارهم إلى مكانته وهدايته قبيل أن تحين منيته: إذ يقول: «إنى تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتى [3] »
وكانت المحاولة الأولى لتوثيق نصه في أمر الرسول أصحابه ألا يكتبوا شيئا عنه سوى القرآن: حدث الحافظ أبو بكر عبد الله بن أبى داود السجستانى بسنده عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: «لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن، فمن كتب عنى شيئا سوى القرآن فليمحه [4] . وقد استأذن أبو سعيد الخدرى النبى (صلى الله عليه وسلم) فى كتب الحديث فأبى أن يأذن له [5] . وهذا عمر يترك كتب السنن لئلا يترك كتاب الله ويلبس بشيء [6] . ولهذا رويت الأحاديث بالمعنى ولم تنقل كما سمعت من النبى، ومن هنا منع الاستشهاد بها على اللغة والنحو، من منع من أمثال ابن الضائع، وأبى حيان [7] .
(1) سورة الحجر آية 8.
(2) النشر لابن الجزرى 1/ 3.
(3) خطبته (صلى الله عليه وسلم) فى حجة الوداع.
(4) المصاحف للسجستاني ص 4.
(5) تقييد العلم للخطيب البغدادى، 32تحقيق يوسف العش طبعة دمشق 1949.
(6) انظر القسم الثاني الفصل الأول من المصدر السابق 5849.
(7) خزانة الأدب للبغدادى 1/ 5مطبعة دار العصور.