هذا بحث عسير، والسبيل إليه أشد مشقة وعسرا: إذ كيف يجلى الباحث شخصية مثل شخصية أبى على الفارسى العالم اللغوى النحوى؟ لو كان أبو على أديبا كاتبا أو شاعرا لاستطعت التعرف عليه من خطرات نفسه، وهواجس حسه، فإن آثار الأديب صورة لما اعتمل في نفسه من خواطر وأحاسيس، وأمر آخر يجعل هذه الدراسة شاقة عسيره: ذلك أن أبا على لم يحظ من المترجمين الأولين كابن النديم في الفهرست، والزبيدى في الطبقات إلا بأسطر لا تنقع غلة الباحث، ولا تروى منه ظمأ، فلم يزد الزبيدى على ذكر طرف من اتصالاته ببعض أمراء الدويلات في عصره في سطر ونصف [1] ، وأورد ابن النديم ترجمة في نحو ثلاثة أسطر ذكر فيها بعض تآليفه ثم أخطأ في تاريخ وفاته [2] ، هذا غاية ما كتبه المعاصرون لأبى على عنه، وهو من القلة والتشويه كما ترون. أما ما كتبه المتأخرون فهو أشتات من أنباء مقتضبة، ثم هى مطلقة مرسلة يعوزها التحقيق وتحتاج إلى دليل فما عساى بعد هذا أن أصنع في تجلية عيش أبى على ونفسه؟ وكيف يستقيم لى أن أتحدث عن بيئة أبى على المكانية وصفاته العقلية والخلقية الخ والدراسة الحديثة تحتم على التحليل الدقيق حتى لو استطعت إحصاء أنفاسه فعلت؟ ومن هنا جاءت المشقة والعسرة، وهما أمر طبعى، فطريق الباحثين لم تفرش بالورود، هى وعرة وشائكة، وإذن لا بد من المطاولة والمصابرة والمعاناة في استفتاء النصوص، واستكناه الأحداث، واستشفاف ما توحى به الآثار، والمقابلة بين مختلف الأخبار حتى أمثل أبا على بشرا سويا، وأطوع ما كان منه عصيا، وذلك ما أنا في سبيلى إليه
(1) انظر طبقات الزبيدى 130.
(2) انظر الفهرست 95.