وما كان لأبى على وهذا مسلك أساتذته، أن يتخلى عن هذه الفضيلة فيما يحكيه ولا يزال الناس بعد أبى على يتواصون بهذه الأمانة العلمية حتى قالوا:
«من بركة العلم وشكره عزوه إلى أهله» [1] .
وقد عرف ابن جنى هذه النزعة في أستاذه، وقد نقل ذلك السيوطى [2] عن الخصائص [3] .
(ثالثا) أن أبا على حين أورد أقوال القدامى في أمانة لم يقف أمامها مختفية شخصيته بل ناقش، واعترض، ورد، وأورد الدليل، وصحح، ورأى، ونظر، وأكد، ورجح، واستشهد، ولا يتأتّى شىء من ذلك في قوة إلا إذا كان مصحوبا بذكر آراء غيره منسوبا إليه على قدر علمه به في شك أو يقين.
(ا) اعتزاله:
أول المصادر التى تحدثت عن اعتزال أبى على فيما أعلم الخطيب البغدادى (ت 462هـ) فى تاريخ بغداد، وقفى قفوه المؤرخون من بعده كابن الانبارى (577هـ) فى نزهة الألباء، وياقوت (626هـ) فى معجم الأدباء، والقفطى (646هـ) فى إنباه الرواة، وابن خلكان (681هـ) فى وفيات الأعيان
والعبارة التى تجرى في كتب هؤلاء المؤرخين: «إن أبا على كان متهما بالاعتزال» وقال ابن الأثير في الكامل وقيل كان معتزليا [4] ، وتبعه أبو الفداء في تاريخه [5] ، ويثير التساؤل قول هؤلاء المؤرخين: «إن الاعتزال تهمة» فهل لذلك من تفسير؟ التاريخ يحدثنا عن المعتزلة وسلطانهم عصر المأمون الذى قال بخلق القرآن كما قال المعتزلون، وكذلك بقى سلطانهم في عصر المعتصم [6] ، وقد نهج الواثق (732هـ) نهج عمه المأمون في حبه للنظر، وبغضه التقليد، وكان يعقد مجالس المناظرة بين الفقهاء والمتكلمين، ومن أجل ذلك أخذت مسألة خلق القرآن في عهده شكلا حادا [7] ، وكان يتشبه بالمأمون في حركاته وسكناته [8] .
(1) انظر المزهر: 2/ 319.
(2) انظر المزهر: 2/ 417.
(3) انظر 2/ 608وما بعدها.
(6) ضحا الإسلام: 3/ 13.
(7) تاريخ الأمم الإسلامية: (الدولة العباسية 253) .
(8) الفخرى: 209.