فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 735

وجاء المتوكل (ت 247) ولم يكن محبا للجدل أو النظر، فأمر الناس بالتسليم والتقليد، وأمر الشيوخ المحدثين بالتحديث، وإظهار السنة والجماعة [1] ، ومن هنا ضعف شأن المعتزلة، وأخذ سلطانهم يضمحل.

وقدر لمذهب أهل السنة أن يظهر بجهود أبى الحسن الأشعرى [2] ، في حدود الثلاثمائة، وكان أول أمره معتزليا ثم خرج على المعتزلة [3] ، بعد أن تسلح بالأسلحة المنطقية التى أمدوه بها، وحاربهم بها بقية حياته [4] ، ودفع الكتب التى ألفها على مذاهب أهل السنة، وكان المعتزلة قبل ذلك قد رفعوا رءوسهم فحجرهم الأشعرى حتى دخلوا في أقماع السماسم [5] .

وإذا كان الأشعرى معاصرا لأبى على الفارسى (توفى الأشعرى 324هـ) ، وإذ بلغ ذيوع مذهب أهل السنة، واندحار المعتزلة هذا المبلغ الذى ذكره ابن خلكان، فلا غرو أن يستر المعتزلون اعتزالهم، ولا يظهره إلا ذو وسوسة أو جنون، كالذى كان من سيبويه المصرى الموسوس (ت 358هـ) فيما يروى ابن زولاق في أخباره من أنه كان يظهر الكلام في الاعتزال في الطرق والأسواق فيحتمل، لما هو عليه، حدثنى من حضره يوم الجمعة في سوق الوراقين في جمع كبير، وفى الحاضرين موسى بن رباح الفارسى المتكلم أحد شيوخ المعتزلة المشهورين، فكان سيبويه يصيح ويقول الدار دار كفر!، حسبكم أنه لم يبق في هذه البلدة العظيمة أحد يقول القرآن مخلوق إلا أنا!، وهذا الشيخ أبو عمران (أبقاه الله) ، فقام أبو عمران يعدو حافيا خوفا على نفسه حتى لحقه رجل بنعله!! [6]

ومن هنا كان الاعتزال تهمة، وذلك تأويل ما نص عليه المؤرخون إذا ما ذكروا عقيدة الفارسى من أنه: «كان متهما بالاعتزال» .

بعد أن بينت السر في توارث المؤرخين بأن أبا على كان متهما بالاعتزال، بقى أن أحقق اعتزاله، هل كان معتزلا حقا؟ ذلك لأن عبارة المؤرخين لا تنص صراحة على أنه كان معتزليا، اللهم إلا ما ذكره أبو الفتح منصور بن المعذر

(1) المسعودى: 2/ 288.

(2) مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زادة: 2/ 37.

(3) تاريخ الفلسفة دى بور ترجمة أبي ريدة: 65.

(4) وانظر تاريخ الإسلام السياسى: 3/ 229.

(5) وفيات الأعيان: 2/ 447.

(6) كتاب أخبار سيبويه المصرى: 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت