وابن جنى أمين جدا فيما ينقله عن أبى على، تراه يدل على القدر الذى استعان به فيه، وينبه عليه، ثم يزيد هو من عنده معقبا، أو معلقا، أو خارجا، فالمسائل والأصول لأبى على فيها النصيب الموفور، ولكن ابن جنى يضعها في بوتقة من فكره وتعليقه، فيخرجها بعد ذلك أوضح أسلوبا، وأسد نظرا، وأشد تحقيقا، وأوثق صلة بروح العربية وخصائصها.
تراه مثلا يقول: «وحدثنى أبو على بكذا وكذا، ثم ينبه على ما انتهى إليه حديث الشيخ بقوله مثلا: «هذا آخر الحكاية عن أبى على ويزيد على ذلك ما قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد [1] . أو يقول مثلا: «وروينا عن أبى زيد فيما أخذناه عن أبى على، وعن غير أبى زيد كذا وكذا [2]
واقرأ قوله: «ورأيت أبا على (رحمه الله) يذهب إلى استحسان مذهب الكسائى في قوله:
إذا رضيت على بنو قشير ... لعمر الله أعجبنى رضاها
لأنه قال: «عدى رضيت بعلى كما تعدى نقيضتها وهى سخطت به، وكان قياسه رضيت عنى، وإذا جاز أن يجرى الشيء مجرى نقيضه فإجراؤه مجرى نظيره أسوغ وإلى هنا ينتهى الأصل الذى قرره أبو على، ثم يزيد ابن جنى عليه بقوله: «وفيه غيره وذلك إذا رضى عنه فقد أقبل عليه، فكأنه قال: «إذا أقبلت على بنو قشير» وهو غور من أنحاء العربية طريف، ولطيف، ومصون، وبطين [3] .
ويعتمد في التدليل أحيانا على ما أنشده أبو على: قال في الاحتجاج لقراءة الأعمش على الجودى «تخفيف ياءى الإضافة قليل إلا في الشعر. أنشدنا أبو على:
بكى بعينك واكف القطر ... ابن الحوارى العالى الذكر [4]
يريد الحوارى، وروى عنهم لا أكلمك حيرى الدهر يريد حيرى الدهر، وهذا في النثر، فعليه قراءة الأعمش جودى خفيفا [5] .
(1) انظر المحتسب 1/ 53.
(2) أنظر 1/ 59، 60.
(4) كل مبالغ في نصرة آخر (حوارى) وخص بعضهم به أنصار الأنبياء (عليهم السلام) وقوله وأنشده ابن دريد. إنما أراد ابن الحوارى يعنى بالحوارى الزبير، وعنى بابنه عبد الله ابن الزبير