السلام: «نزل القرآن بسبعة أحرف كلها شاف كاف» ، فان قيل: لو كانت هذه الأحرف مقروّا بجميعها لكان النقل بذلك قد وصل إلينا، قيل أولا يكفيك أنس موصلا إلينا؟ فان قيل أن أنسا لم يحكها قراءة، وإنما جمع بينها في المعنى، واعتل في جواز القراءة بذلك لا بأنه رواها قراءة متقدمة.
قيل: قد سبق من ذكر حسن الظن به ما هو جواب عن هذا
وبعد أن ساق نحوا من ذلك في كلام العرب شعرائهم ومنشديهم، قال: «وهذا لعمرى سائغ لأنه شعر، وتحريفه جائز لأنه ليس دينا ولا عملا مسنونا» [1] اهـ.
أرأيت كيف بلغ به حسن الظن بالرواة حتى أنه لم يجد جوابا مقنعا وقد قلب الأمور على أوجهها المختلفة إلا أن يقول: بحسن الظن بأنس!؟
ثم أرأيت كيف لا يسلم بهذا التحريف في القرآن محسنا الظن، ولا يسلم باختلاف الرواية في الشعر، وتحريف الكلم فيه عن مواضعه، لأنه ليس دينا ولا عملا مسنونا؟!
وبعد فها نحن أولاء نرى ابن جنى يتلمس الأسباب، ويسلك سبيل الدفاع عن القراءات، على حين رأينا من قبل أبا على وقد هاجم حمزة في جره الأرحام من قوله تعالى: { «وَاتَّقُوا اللََّهَ الَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحََامَ» } وحكم بأن هذا ضعيف في القياس وقليل في الاستعمال، وما كان كذلك فترك الأخذ به أحسن [2] ، وبمثل ذلك هجم قراءة لابن عامر، ووصفها بالقبح، والقلة في الاستعمال، ولو عدل عنها إلى غيرها كان أولى [3] .
وموقف أبى على يتفق مع خطته في تحكيم القياس والنظر، والبعد عن التعليل بالأثر، أما ابن جنى فإن موقفه يتفق مع خطته التى أعلنها في صدر كتابه «المحتسب» من الاعتداد بما سموه شاذا، لأنه محفوف بالرواية من أمامه وورائه، ومن هنا كان ابن جنى أرحب صدرا، وأقرب إلى مذاهب القراء رحما، إذ كان بموقفه هذا يقترب من أهل الأثر، حيث يحسن الظن بالرواة من القراء على النحو الذى عرضته منذ قليل (انظر حسن ظنه بابن عباس في قراءته «وأيقن أنه الفراق [4] » وحسن ظنه بأنس في قراءته «لولوا إليه وهم يجمزون [5] » ، ويوثق ما رووه بما يعرفه من أوجه القياس، انظر المحتسب في توثيق ابن مجاهد، وأبى بكر محمد بن مقسم، واعتداده بما رواه، ثم تعليل ذلك بالقياس [6] . وكذلك فعل في الاحتجاج لقراءة حمزة { «وَاتَّقُوا اللََّهَ الَّذِي تَسََائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحََامَ» } وهى مردودة عند جمهرة البصريين [7] .
(2) الحجة 3/ 229.
(3) الحجة 4/ 109.
(7) راجع كتاب الخصائص 1/ 294.