وهى قراءة بعض البادية الحمد لله بكسر الدال، ونحو منه ما حكاه لى أبو على أن أبا عبيدة حكاه من قول بعضهم: دعه في حرّمه فحذف كسرة راء حر، وألقى عليها ضمة همزة أمه، وهذا عندنا على شذوذه أعذر من قوله للملائكة اسجدوا ثم دلل على ذلك الحكم [1] .
* * * وعلى هذا النحو يقف ابن جنى من الشواذ، يحكم حكما عادلا غير متحيز إلى فئة، ويوفى بذلك ما ذكره في المقدمة بما وعد به، ونوه عنه، غير أنه بعد ذلك حسن الظن بالشاذ لغة ثقة بمن رواه، وأسوق للتدليل على نظرته تلك مثالين يختصران هذه النزعة، ويغنيان عن التفصيل:
(ا) ومن ذلك قراءة أبى عمرو في رواية هارون بن حاتم عن حسين عنه (بغتّه) قال أبو الفتح: فلعله مثال لم يأت في المصادر، ولا في الصفات أيضا، وإنما هو مختص بالاسم منه الشّربّة اسم موضع: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن، عن أبى عباس أحمد ابن يحيى يقول عبد الله بن الحجاج التغلبى لعبد الملك بن مروان في خبر له معه:
ارحم أصيبيتى الذين كأنهم ... حجلى تدرج بالشربة وقع
ومنه الجربّة الجماعة، واستشهد لذلك.
وجاء بلا تاء في الاسم أيضا وهو معدّ، وهبىّ، وهو الصبى الصغير. ثم يقول هذه العبارة التى بها يقرر نزعته من حيث حسن الظن بالمروى ثقة بمن رواه: «ولا بد من حسن الظن بأبى عمرو، ولا سيما وهو القرآن، وما أبعده عن الزيغ والبهتان [2] !!.
وكذلك أحسن الظن بابن عباس في قراءته «وأيقن أنه الفراق» [3] .
(ب) روى الأعمش قال: سمعت أنسا يقرأ: لولوا إليه وهم يجمزون. قيل له وما يجمزون؟ إنما هى يجمحون! قال: يجمحون، ويجمزون، ويشتدون واحد «قال أبو الفتح: ظاهر هذا أن السلف كانوا يقرءون الحرف مكان نظيره من غير أن تتقدم القراءة بذلك، لكن لموافقة صاحبه في المعنى، وهذا موضع يجد الطاعن به إذا كان هكذا على القراءة مطعنا فيقول: ليست هذه الحروف كلها عن النبى (صلى الله عليه وسلم) ، ولو كانت عنه لما ساغ إبدال لفظ مكان لفظ إذ لم يثبت التعبير في ذلك عنه، ولما أنكر أيضا عليه يجمزون. إلا أن حسن الظن بأنس يدعو إلى اعتقاد تقدم القراءة بهذه الأحرف الثلاثة التى هى يجمحون، يحمزون، يشتدون، فيقول:
اقرأ بأيها شئت، فجميعها قراءة مسموعة عن النبى (صلى الله عليه وسلم) لقوله عليه
(2) المحتسب 2/ 336.
(3) انظر 2/ 411.